27-Jun-2026 5 دقائق قراءة

الهند تلغي ضرائب على السندات الحكومية الأجنبية لتعزيز تدفقات الاستثمار والانضمام إلى المؤشرات العالمية

ألغت الهند ضرائب على استثمارات الأجانب في السندات الحكومية ووسعت الوصول إلى سوق الدين، في خطوة تهدف إلى جذب رؤوس الأموال الأجنبية ودعم الروبية وتقوية ملفها للانضمام إلى المؤشرات العالمية.

أقدمت الهند على حزمة إصلاحات جديدة في سوق الدين الحكومي، أبرزها إلغاء الضرائب المفروضة على استثمارات الأجانب في السندات الحكومية، في محاولة واضحة لجذب رؤوس الأموال الخارجية وتعزيز موقعها في المؤشرات العالمية الكبرى.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تسعى فيه نيودلهي إلى تقوية ميزانها الخارجي، وتهدئة الضغوط على الروبية، وتخفيف أثر ارتفاع أسعار النفط على الأصول الهندية. كما تراهن السلطات على أن فتح السوق بصورة أوسع سيجعل السندات الهندية أكثر جاذبية لدى المستثمرين الدوليين على المدى القريب والمتوسط.

حزمة إجراءات لتوسيع قاعدة المشترين الأجانب

شملت التدابير الجديدة إلغاء ضريبة الاستقطاع وضريبة الأرباح الرأسمالية على استثمارات الأجانب في السندات الحكومية، إلى جانب توسيع قائمة الأدوات المتاحة دون قيود استثمارية. كما تضمنت الإجراءات حوافز للبنوك من أجل جمع ودائع بالعملة الأجنبية من الهنود غير المقيمين، وتشجيع الشركات على الاقتراض من الخارج.

وبهذا التحرك، تحاول السلطات المالية والنقدية إعادة توجيه جزء أكبر من المدخرات العالمية نحو السوق المحلية، في وقت تتنافس فيه الاقتصادات الناشئة على جذب الأموال الساخنة والاستثمار طويل الأجل معاً. وتبدو الهند، بحسب مستثمرين، في موقع أفضل بعد إزالة العبء الضريبي الذي كان يحد من جاذبية أدوات الدين السيادية.

تسارع التدفقات وارتفاع الإقبال على السندات

الاستجابة الأولية من الأسواق كانت سريعة نسبياً. فبعد الإعلان عن التغييرات، تم شراء أكثر من مليار دولار من السندات الحكومية الهندية خلال ثلاث جلسات تداول فقط، مقارنة بمشتريات بلغت 1.6 مليار دولار في الفترة السابقة منذ بداية العام.

وعكس هذا النشاط المتسارع عودة اهتمام بعض الصناديق العالمية بسوق كانت تُعد أقل أولوية بالنسبة لها خلال الأشهر الماضية. كما تراجعت عوائد السندات الحكومية بين 10 و30 نقطة أساس عبر المنحنى، مع تسجيل الانخفاض الأكبر في آجال الاستحقاق القصيرة.

ويرى مديرو محافظ أن الإعفاءات الضريبية حسّنت الجدوى النسبية للسندات الهندية، ليس فقط من زاوية العائد الاسمي، بل أيضاً من حيث صافي العائد بعد الضرائب. ويعتقد بعضهم أن هذا التطور قد يدعم مشاركة أوسع من المستثمرين الأجانب عبر مختلف آجال الاستحقاق.

الانضمام إلى المؤشرات العالمية يبقى الهدف الأكبر

رغم أهمية الأثر الفوري للإعفاءات، يعتقد عدد من المستثمرين أن القيمة الاستراتيجية الحقيقية لهذه الخطوات قد تظهر على المدى الأطول، إذا ساعدت الهند في التقدم نحو إدراج أوسع في مؤشرات الدخل الثابت العالمية.

ويشير هؤلاء إلى أن الانضمام إلى مؤشر عالمي كبير مثل Bloomberg Global Aggregate Index قد يخلق تدفقات أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ، على غرار ما حدث مع أسواق أخرى بعد دخولها مؤشرات مرجعية كبرى. ومن المنتظر أن تطلب Bloomberg Index Services آراء المستثمرين خلال هذا الشهر بشأن إضافة السندات الحكومية الهندية إلى مؤشرها الرئيسي.

وترى بعض المؤسسات الاستثمارية أن هذه الخطوة ستكون أكثر تأثيراً من التخفيضات الضريبية نفسها، لأنها ستوسّع قاعدة الطلب المؤسسي على السندات الهندية وتربط السوق بسلاسل التتبع والاستثمار السلبي التي تدير مليارات الدولارات عالمياً.

الروبية وأسعار الطاقة يظلان عاملين حاسمين

على الرغم من تحسن الجاذبية الاستثمارية، حذر محللون من أن تدفقات الأموال الخارجية ستظل مرتبطة بدرجة كبيرة بمسار الروبية. فالعملة الهندية تعرضت لضغوط واضحة هذا العام، وتراجعت بنحو 5.86%، لتصبح من أضعف العملات الآسيوية أداءً بعد الروبية الإندونيسية.

ويقول مستثمرون إن عامل العملة يظل الأهم بالنسبة للمستثمرين الخارجيين، لأن ضعف الروبية قد يقلص مكاسب العائد المرتفع التي توفرها السندات الهندية. كما أن ارتفاع أسعار الطاقة العالمية يزيد من الضغوط على الحساب الجاري ويؤثر في توقعات التضخم والميزان الخارجي.

ومع ذلك، شهدت الروبية بعض التحسن المحدود بعد الإعلان عن الإجراءات الجديدة، لتتداول عند 95.16 مقابل الدولار، في إشارة إلى أن الأسواق رأت في الحزمة الحكومية دعماً نسبياً للثقة.

تحسن توقعات ميزان المدفوعات يعزز النظرة المستقبلية

في موازاة ذلك، عدّل اقتصاديون في Citi توقعاتهم لميزان المدفوعات في الهند خلال السنة المالية الحالية بشكل كبير، إذ باتوا يرجحون فائضاً بنحو 5 مليارات دولار، مقارنة بتقدير سابق كان يشير إلى عجز قدره 60 مليار دولار.

ويعني هذا التغيير أن الضغوط الخارجية قد تكون أقل حدة مما كان متوقعاً، الأمر الذي قد يوفّر دعماً إضافياً للعملة ويخفف المخاوف بشأن قدرة الهند على تمويل احتياجاتها الخارجية. وإذا استمرت هذه الصورة الإيجابية، فقد تجد السندات الهندية دعماً أوسع من جانب المستثمرين الحذرين.

لكن بعض مديري الأصول لا يزالون أكثر تحفظاً، مشيرين إلى أن بيئة السندات العالمية نفسها ما زالت صعبة بفعل التقلبات المرتفعة في أسعار الفائدة وتحوّل البنوك المركزية من التيسير إلى التشديد لمواجهة التضخم الناجم عن الطاقة والغذاء.

توازن بين الانفتاح المالي والاستقرار الكلي

تُظهر الإجراءات الهندية محاولة مدروسة لتحقيق توازن بين جذب رأس المال الأجنبي والحفاظ على الاستقرار المالي. فمن جهة، يريد صانعو السياسات توسيع سوق الدين وتعميقها وتحسين وصول المستثمرين الدوليين إليها. ومن جهة أخرى، يحتاجون إلى حماية العملة والحد من هشاشة الحساب الخارجي في بيئة عالمية متقلبة.

وفي هذا السياق، تبدو الخطوة الأخيرة جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة تموضع الهند في أسواق رأس المال الدولية، ليس فقط بوصفها اقتصاداً نامياً كبيراً، بل أيضاً كسوق دين أكثر انفتاحاً وقابلية للاندماج في المؤشرات المرجعية الكبرى. وإذا نجحت هذه السياسة في تحقيق استقرار أكبر للروبية واستمرار تدفقات الأجانب، فقد تمهد لمرحلة جديدة في تمويل الحكومة والشركات على حد سواء.

لكن الطريق لا يزال مرتبطاً بعوامل خارجية، من بينها اتجاهات الفائدة العالمية وأسعار الطاقة وإقبال الصناديق على المخاطر. وفي الوقت الراهن، تبدو الهند قد أرسلت إشارة قوية للمستثمرين مفادها أن سوقها السيادية مستعدة لتوسيع أبوابها أمام رأس المال العالمي.