تمسك حذر بالسياسة النقدية
تواصل أوساط صنع القرار في البنك المركزي الأوروبي التعامل مع صدمة أسعار الطاقة بوصفها خطراً ممتداً على مسار التضخم، حتى مع مؤشرات التهدئة في الشرق الأوسط. فبحسب ما أعلنه عدد من المسؤولين، فإن أي انفراج في أزمة مضيق هرمز لن ينعكس فوراً على أسعار السلع والطاقة أو على الضغوط التضخمية في منطقة اليورو.
ويستند هذا الموقف إلى تقدير مفاده أن عودة تدفقات النفط إلى مستوياتها الطبيعية تحتاج إلى وقت، وأن الأسواق قد تُسعّر جزءاً من التوترات الجيوسياسية مسبقاً ثم تعكسها لاحقاً من خلال سلاسل الإمداد وتكاليف النقل والإنتاج. لذلك، لا يبدو أن تهدئة الأزمة، وحدها، كافية لتغيير نبرة البنك المركزي الأوروبي في المدى القريب.
وتبقى خيارات الاجتماع المقبل للسياسة النقدية مفتوحة، بما يشمل تثبيت أسعار الفائدة أو رفعها مجدداً، في إشارة إلى أن البنك لا يرى أن معركة كبح التضخم انتهت بعد.
أسعار الطاقة تعيد رسم حسابات التضخم
القلق الأساسي لدى صناع السياسة يتمحور حول انتقال أثر الطاقة إلى بقية الاقتصاد. فارتفاع أسعار النفط والغاز لا يقتصر على بند الطاقة في سلة المستهلك، بل ينعكس على النقل والتصنيع والخدمات، ثم ينتقل تدريجياً إلى أسعار السلع النهائية والأجور وتوقعات الشركات.
وفي هذا السياق، حذّر مسؤولون في البنك المركزي الأوروبي من أن الضغوط الراهنة قد تبقى ملحوظة لعدة أشهر، حتى لو تراجعت الأسعار العالمية مؤقتاً. كما أشاروا إلى أن بعض الإجراءات الحكومية التي خففت العبء على المستهلكين، مثل الخصومات أو الدعم المرتبط بالوقود في بعض الدول، قد تكون تأثيراتها مؤقتة، ما يعني احتمال ظهور ارتداد لاحق في معدلات التضخم عند انتهاء هذه التدابير.
هذا التقدير يعكس قناعة داخل البنك بأن التضخم لا يتأثر بالأسعار الفورية فقط، بل أيضاً بتوقعات الشركات والأسر، وهي عوامل قد تجعل استعادة الاستقرار السعري أبطأ مما يبدو في المؤشرات الشهرية.
رسائل متشددة من أعضاء المجلس
الأصوات الداعية إلى مزيد من التشديد لم تقتصر على مسؤولي ألمانيا، بل امتدت إلى أكثر من عضو في مجلس المحافظين. فقد شدد عدد من صناع السياسة النقدية على أن البنك بدأ بالفعل أولى خطواته في مواجهة التضخم، لكنه لم يصل بعد إلى نقطة يمكن عندها إعلان النجاح.
وترتكز هذه الرسائل على فكرة أن خفض التضخم إلى المستهدف لا يعني بالضرورة أن المخاطر اختفت. فأسعار الطاقة المرتفعة قد تظل قائمة لفترة أطول من المتوقع، بينما تبقى التداعيات غير المباشرة للأزمات الجيوسياسية قابلة للظهور في مراحل لاحقة، حتى من دون صدمة إضافية في السوق.
وبهذا، تبدو الرسالة الأساسية واضحة: التثبيت ليس الخيار الوحيد المطروح، والرفع الإضافي للفائدة لا يزال وارداً إذا استمر زخم الأسعار أو ظهرت إشارات على ترسخ الضغوط التضخمية.
البنك المركزي الأوروبي يوازن بين النمو والأسعار
في المقابل، يواجه البنك المركزي الأوروبي معضلة تقليدية في أوقات الاضطراب: كيف يوازن بين الحاجة إلى كبح الأسعار وبين عدم خنق النشاط الاقتصادي؟ فرفع الفائدة يساعد على الحد من الطلب ويخفف ضغط الأسعار، لكنه في الوقت نفسه يزيد كلفة الاقتراض على الشركات والأسر والحكومات.
وتزداد حساسية هذه الموازنة في بيئة تتقاطع فيها صدمة طاقة خارجية مع تباطؤ اقتصادي نسبي في بعض الاقتصادات الأوروبية. لذلك، فإن أي قرار جديد سيأخذ في الاعتبار تطور التضخم الأساسي، واتجاهات الأجور، ومؤشرات النمو، إضافة إلى ما إذا كان الارتفاع الأخير في الطاقة مؤقتاً أم بداية موجة أطول.
كما أن توقعات الأسواق حيال مسار الفائدة ستظل رهناً بمدى استمرار المخاطر الجيوسياسية وبقدرة سلاسل الإمداد على استيعابها دون دفع الأسعار إلى مستويات أعلى.
لاغارد تؤكد أولوية استقرار الأسعار
في موازاة هذا النقاش، أكدت رئيسة البنك المركزي الأوروبي التزامها بمواصلة أداء مهامها في هذه المرحلة الحساسة، مشددة على أن استقرار الأسعار يظل الهدف الأساسي للمؤسسة. وأوضحت أن قيادة البنك في فترات الأزمات تتطلب جهوزية كاملة، خصوصاً عندما تلتقي صدمات الطاقة مع الضغوط التضخمية.
ويعكس هذا الموقف رغبة في طمأنة الأسواق بأن البنك لن يتراجع عن مهمته الأساسية، حتى لو تراجعت المخاوف الجيوسياسية جزئياً. كما يشير إلى أن المسار التشديدي الذي بدأ أخيراً قد لا يكون الأخير إذا لم تظهر دلائل كافية على عودة التضخم إلى مستويات أكثر استقراراً.
وكان البنك قد رفع أسعار الفائدة مؤخراً للمرة الأولى منذ نحو ثلاث سنوات، في خطوة هدفت إلى منع انتقال أثر الطاقة إلى بقية مكونات الاقتصاد. ومع ذلك، فإن قراراً واحداً لا يكفي، بحسب رسالة البنك، لتأكيد انتهاء دورة التضخم المرتفع.
تداعيات أوسع على أسواق اليورو
من منظور الأعمال والأسواق، فإن استمرار التشديد النقدي يعني بيئة تمويل أكثر صعوبة بالنسبة للشركات العاملة في منطقة اليورو، لا سيما القطاعات ذات الاعتماد المرتفع على الاقتراض أو الحساسة لتكاليف الطاقة. كما قد يضغط ذلك على الاستثمار الخاص في الأجل القصير، ويؤخر بعض قرارات التوسع أو التوظيف.
وفي الوقت نفسه، يظل المستثمرون يراقبون الفرق بين التضخم الناتج عن الصدمات الخارجية وتلك الناجمة عن الطلب المحلي. فإذا ثبت أن موجة الأسعار الحالية مرتبطة في الأساس بالطاقة والاضطرابات الجيوسياسية، فقد يكتفي البنك بتثبيت الأسعار لبعض الوقت. أما إذا ظهرت دلائل على اتساعها داخل الاقتصاد، فسيبقى رفع الفائدة خياراً مطروحاً على الطاولة.
وبين هذا وذاك، يرسل البنك المركزي الأوروبي إشارة مفادها أن المعركة ضد التضخم لم تُحسم بعد، وأن التهدئة السياسية في منطقة حساسة مثل مضيق هرمز لا تعني تلقائياً عودة الاستقرار السعري في أوروبا.