تراجع محدود في العوائد مع إعادة تسعير توقعات الفائدة
سجلت عوائد سندات حكومات منطقة اليورو انخفاضاً طفيفاً في تعاملات الثلاثاء، بعد جلسة شهدت استقراراً نسبياً عقب ارتفاعات نهاية اليوم السابق. وجاء هذا التحرك في ظل ميل المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم على مزيد من الزيادات في أسعار الفائدة من جانب البنك المركزي الأوروبي، رغم بقاء السياسة النقدية الأميركية ضمن نطاق التشدد الذي يضغط على الأسواق العالمية.
ويعكس هذا التراجع الحذر حالة ترقب لدى المتعاملين الذين يوازنون بين إشارات تهدئة من صانعي السياسة النقدية في أوروبا وبين بيانات قوية ومواقف أكثر صرامة في الولايات المتحدة، وهو ما ينعكس مباشرة على تسعير السندات السيادية وحركة رؤوس الأموال عبر الأسواق المتقدمة.
تصريحات لاغارد تخفف الضغط على السندات الأوروبية
كانت السندات الألمانية لأجل عامين قد شهدت في ختام تعاملات الاثنين ارتفاعاً ملحوظاً، ما أدى إلى تراجع عوائدها بأكبر وتيرة خلال أسبوعين تقريباً. وجاء ذلك بعد تصريحات لرئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد أمام البرلمان الأوروبي، قالت فيها إن المؤشرات الحالية لا تظهر ما يبرر تشديداً نقدياً إضافياً أكثر حدة في المرحلة الراهنة.
هذه الرسالة فسرتها الأسواق على أنها تقليل لاحتمالات استمرار دورة الرفع بوتيرة قوية، خصوصاً في ظل تباطؤ بعض ضغوط الأسعار مقارنة بذروة الأزمة التضخمية السابقة. ونتيجة لذلك، اتجه المستثمرون إلى إعادة تقييم المسار المحتمل للفائدة في منطقة اليورو خلال الأشهر المقبلة.
فارق العوائد بين أوروبا والولايات المتحدة يتسع
في التداولات الصباحية، هبط عائد السندات الألمانية لأجل عامين بنقطة أساس واحدة إلى 2.578 في المائة، مقارنة بعائد يبلغ 4.198 في المائة للسندات الأميركية المماثلة الأجل. وبذلك اتسعت الفجوة بين العائدين إلى نحو 163 نقطة أساس، وهو مستوى يعد الأعلى منذ سبتمبر 2025، وأعلى بكثير من نحو 113 نقطة أساس قبل شهرين.
كما تراجع العائد على السندات الألمانية القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار نقطتين أساس إلى 2.934 في المائة، في حين انخفض العائد على السندات الإيطالية لأجل 10 سنوات بالوتيرة نفسها إلى 3.651 في المائة. ويشير هذا التحرك إلى أن السوق لم تعد تسعّر السيناريو الأكثر تشدداً في أوروبا بالدرجة نفسها التي كانت عليها قبل أيام.
الدولار القوي والبيانات الأميركية يضغطان على المعنويات
في المقابل، واصلت البيانات الاقتصادية الأميركية القوية والتوجه الأكثر صرامة في خطاب مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، بقيادة رئيسه الجديد كيفين وارش، دعم الضغوط على سندات الخزانة الأميركية. وقد ساهم ذلك في ارتفاع الدولار وتراجع شهية المستثمرين تجاه أدوات الدين الأميركية خلال الأسبوع الماضي.
هذا المشهد يضع الأسواق الأوروبية في موقع حساس؛ فكلما بقيت الفائدة الأميركية مرتفعة أو مائلة للصعود، ازدادت الضغوط على بقية الأسواق المالية للحفاظ على التوازن بين العائد والمخاطر، خاصة في فترات عدم اليقين المرتبطة بالنمو والتضخم.
النفط يخفف مخاوف التضخم في أوروبا
من جهة أخرى، أسهم هبوط أسعار النفط إلى ما دون 80 دولاراً للبرميل في تخفيف التوقعات الخاصة بالحاجة إلى مزيد من التشديد النقدي في منطقة اليورو. ويعود ذلك إلى أن انخفاض كلفة الطاقة يخفف جزءاً من الضغوط التضخمية التي كانت قد دفعت البنوك المركزية إلى تسريع رفع الفائدة في السنوات الماضية.
وتشير الأسواق إلى أن تراجع أسعار الخام جاء مع زيادة تدفقات النفط والمنتجات النفطية عبر مضيق هرمز، ما قلل من حدة المخاوف المرتبطة بالإمدادات. ومع استقرار الطاقة عند مستويات أقل، تبدو الحاجة إلى تشديد إضافي أقل إلحاحاً في نظر بعض المستثمرين.
توقعات السوق لخطوة الفائدة المقبلة
تُظهر تسعيرات أسواق المال أن المتعاملين يتوقعون أن تنهي أسعار الفائدة في منطقة اليورو العام الحالي أعلى بنحو 31 نقطة أساس من مستوياتها الحالية، مع ترجيح رفع إضافي في أكتوبر. ويُعد هذا التقدير أقل تشدداً من التوقعات السابقة التي كانت تشير إلى زيادة تقارب 35 نقطة أساس قبل تصريحات لاغارد الأخيرة.
وقال الاستراتيجي في «جيفريز» موهيت كومار إن تصريحات لاغارد يمكن فهمها بوصفها إشارة إلى أن البنك المركزي الأوروبي قد لا يحتاج إلى زيادات إضافية كبيرة إذا ظلت أسعار النفط مستقرة أو واصلت الهبوط. وأضاف أن هذا التوجه كان واضحاً منذ الاجتماع الأخير للبنك المركزي، ما يعزز الاعتقاد بأن دورة التشديد اقتربت من مراحلها النهائية.
التضخم ما زال أعلى من الهدف الرسمي
رغم هذا الهدوء النسبي في الأسواق، لا تزال مقاييس التضخم بعيدة عن هدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2 في المائة. فقد تراجعت مقايضات التضخم في منطقة اليورو لأجل عام واحد إلى نحو 2.52 في المائة هذا الأسبوع، وهو مستوى أدنى من ذروته المسجلة في أواخر مايو عندما اقتربت النسبة من 4 في المائة على أفق ثلاث سنوات، لكنه يبقى فوق المستوى المستهدف.
ويعني ذلك أن صناع السياسة النقدية ما زالوا أمام معادلة معقدة: تهدئة التضخم دون دفع الاقتصاد إلى تباطؤ أعمق. وفي هذه البيئة، تبدو عوائد السندات الأوروبية شديدة الحساسية لأي إشارة جديدة من البنك المركزي الأوروبي أو من البيانات الأميركية، ما يجعل التحركات الحالية أكثر من مجرد تغير يومي محدود، بل جزءاً من إعادة تسعير أوسع لمسار الفائدة في النصف الثاني من العام.