زخم التكنولوجيا يعيد الأسهم الصينية إلى الواجهة
أغلقت الأسهم الصينية جلسة الخميس على ارتفاع واضح، في وقت عاد فيه قطاع التكنولوجيا إلى قيادة السوق بدعم من موجة التفاؤل حول الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي. وجاءت المكاسب بعد إشارات إيجابية من شركة مايكрон في قطاع أشباه الموصلات، ما ساعد على تهدئة بعض المخاوف المرتبطة بتباطؤ القطاع، وأعاد جذب السيولة إلى أسهم التكنولوجيا الصينية.
وارتفع مؤشر سي إس آي 300 للأسهم القيادية بنسبة 1.6 في المائة، في حين صعد مؤشر شنغهاي المركب بنسبة 0.2 في المائة ليغلق عند 4120.28 نقطة. كما سجل مؤشر سي إس آي لأشباه الموصلات مكاسب بلغت 3.3 في المائة، وقفز مؤشر سي إس آي للذكاء الاصطناعي بنسبة 3.7 في المائة، بينما ارتفع مؤشر ستار 50، الذي يركز على شركات التكنولوجيا، بنحو 4 في المائة مسجلاً مستوى قياسياً جديداً.
وسجلت أسهم عدد من شركات الرقائق أداءً لافتاً خلال الجلسة، إذ قفز سهم غيغا ديفيس بنسبة 10 في المائة، بينما أضاف سهمي ناورا تكنولوجي وإس إم آي سي 3.6 في المائة لكل منهما، مع تسجيل مستويات قياسية جديدة خلال التداولات.
توقعات إيجابية تعزز ثقة المستثمرين
يرى محللون أن المكاسب الأخيرة لا ترتبط فقط بنتائج شركة أميركية كبرى في الرقائق، بل تعكس أيضاً استمرار الثقة في دورة الاستثمار العالمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وبحسب تقديرات متداولة في السوق، فإن زخم الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ما زال قوياً، ما يواصل دعم أسهم الشركات المرتبطة بالمعالجات ومعدات التصنيع والتغليف المتقدم.
وقالت مجموعة غرين فند في مذكرة إن المؤشرات الحالية لا تعكس أي انعكاس قريب في دورة صعود الذكاء الاصطناعي عالمياً، مرجحة أن تستمر موجة الشراء المركّزة في الوقت الراهن. وأضافت أن تقلبات الأسهم مرتفعة التقييم قد تتزايد على المدى القصير، لكن اتجاهات النمو الأساسية في القطاعات المرتبطة بالرقائق ومعدات أشباه الموصلات لا تزال قائمة على المدى المتوسط والطويل.
من جهته، قال جيمس وانغ، رئيس استراتيجية الصين في أبحاث بنك يو بي إس للاستثمار، إن النظرة إلى أسهم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الصينية لا تزال إيجابية خلال بقية العام، مستنداً إلى قوة الأرباح ومشاركة المستثمرين الأفراد ودخول رؤوس أموال جديدة من الطروحات العامة الأولية. وبرأيه، فإن هذه العوامل قد توفر دعماً إضافياً للنمو داخل القطاع.
قطاعات أخرى تحقق مكاسب محدودة
لم تقتصر الحركة الإيجابية على التكنولوجيا وحدها، إذ استفادت قطاعات أخرى من تحسن مزاج المستثمرين. وارتفع مؤشر الخدمات المصرفية الاستثمارية والوساطة بنسبة 3.4 في المائة، كما أضاف مؤشر سي إس آي للمشروبات 2.1 في المائة. وتظهر هذه التحركات أن السوق الصينية شهدت خلال الجلسة توجهاً نحو المخاطرة، ولو بدرجات متفاوتة بين القطاعات.
ويعكس هذا الأداء تزايد الرهان على أن التحسن في أسهم التكنولوجيا قد يمتد إلى قطاعات داعمة مرتبطة بالتمويل والاستهلاك، رغم أن العوامل الكلية الأوسع لا تزال تفرض حذراً على المتعاملين. فالمستثمرون يواصلون مراقبة تطورات أسعار الفائدة الأميركية واتجاهات الطلب العالمي على المنتجات الصناعية والتكنولوجية.
هونغ كونغ تتراجع إلى أدنى مستوى في عام
في المقابل، جاءت الصورة في هونغ كونغ أكثر ضعفاً، حيث هبط مؤشر هانغ سنغ بنسبة 1.4 في المائة إلى 23077 نقطة، وهو أدنى مستوى له منذ يونيو 2025. كما تراجع مؤشر هانغ سنغ للتكنولوجيا بنسبة 1.6 في المائة، مسجلاً أدنى مستوى في 14 شهراً، في إشارة إلى استمرار الضغوط على أسهم الشركات الكبرى المدرجة في المدينة.
وكانت أسهم علي بابا وتينسنت من أبرز الضاغطين على المؤشر، بعد انخفاضها بنسبتي 4.4 في المائة و1.7 في المائة على التوالي. وتظهر هذه الحركة التباين المتنامي بين أداء شركات التكنولوجيا في البر الصيني، التي استفادت من زخم الرقائق والذكاء الاصطناعي، وبين نظيراتها في هونغ كونغ التي ما زالت تواجه ضعفاً في المعنويات وتذبذباً في التقييمات.
اليوان تحت ضغط الدولار قبل بيانات التضخم الأميركية
على صعيد العملات، تحرك اليوان الصيني ضمن نطاق ضيق قرب أدنى مستوى له في شهر أمام الدولار، مع استمرار قوة العملة الأميركية قبيل صدور بيانات التضخم الرئيسية في الولايات المتحدة. واستقر اليوان عند 6.8088 للدولار، بعدما لامس في الجلسة السابقة مستوى 6.8141، وهو الأضعف منذ شهر.
وخسر اليوان نحو 0.6 في المائة أمام الدولار منذ بداية يونيو، متجهاً نحو أسوأ أداء شهري منذ ديسمبر 2024. وفي السوق الخارجية، جرى تداول العملة عند 6.8129 للدولار تقريباً، وسط تعاملات حذرة في آسيا تعكس ترقب المستثمرين لأي إشارة جديدة بشأن مسار السياسة النقدية الأميركية.
ويبدو أن الدولار القوي لا يزال العامل الأكثر تأثيراً على عملات المنطقة، إذ يراهن المستثمرون على بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، بينما يتابعون بيانات الأسعار الأميركية المنتظر أن تظهر استمرار التضخم الأساسي في الصعود خلال مايو. كما ظل مؤشر الدولار قريباً من أعلى مستوى له في 13 شهراً، ما زاد من الضغط على العملات الآسيوية.
السياسة النقدية الصينية في مواجهة ضغوط السوق
قبل افتتاح التداولات، حدد بنك الشعب الصيني سعر الصرف المرجعي لليوان عند 6.8209 للدولار، وهو الأضعف منذ 28 مايو وأقل من تقديرات السوق بنحو ملحوظ. ويُسمح لليوان الفوري بالحركة ضمن نطاق 2 في المائة صعوداً أو هبوطاً عن السعر المرجعي اليومي، ما يمنح البنك المركزي مساحة لإدارة التقلبات من دون السماح بتغيرات حادة.
ويرى محللون أن مستقبل اليوان خلال النصف الثاني من العام يواجه تحديات متزايدة، خاصة مع استمرار قوة الدولار وتبدل توقعات أسعار الفائدة في الولايات المتحدة. ومع ذلك، لا يستبعد بعضهم أن تساهم مبيعات الدولار من قبل المصدرين الصينيين في توفير دعم محدود للعملة، إلى جانب أي تحسن في البيانات الداخلية أو التدفقات الاستثمارية نحو الأصول الصينية.
كما أن الارتفاع القياسي في أحجام التداول الفوري لليوان مقابل الدولار يعكس مستوى مرتفعاً من التحوط وإعادة التموضع في السوق، وهي إشارة على أن المتعاملين لا يزالون يتعاملون بحذر مع تحركات العملة والأسواق المالية الصينية في آن واحد.
تباين واضح بين أسواق البر الرئيسي وهونغ كونغ
تكشف جلسة الخميس عن مفارقة لافتة في الأسواق الصينية: فالبر الرئيسي استفاد من موجة التفاؤل التكنولوجي، بينما بقيت هونغ كونغ تحت ضغط ضعف الثقة في الأسهم الكبرى وتداعيات القوة المتواصلة للدولار. وبينما تستمر الرهانات على الذكاء الاصطناعي والرقائق في دعم بعض المؤشرات الصينية، فإن أسواقاً أخرى لا تزال تدفع ثمن حساسية أعلى تجاه السيولة العالمية وتغيرات الشهية للمخاطرة.
وفي المحصلة، تبدو الرسالة الأوضح من هذه الجلسة أن التكنولوجيا ما زالت قادرة على تحريك الأسهم الصينية صعوداً، لكن هذا الزخم لم يتحول بعد إلى موجة متوازنة تشمل جميع أسواق المنطقة، خاصة مع استمرار الضغوط على هونغ كونغ واليوان قبل صدور بيانات اقتصادية أميركية قد تعيد تشكيل التوقعات خلال الفترة المقبلة.