مكاسب في السوق الصينية مع إشارات اقتصادية أفضل
سجلت الأسهم الصينية ارتفاعاً في جلسة الأربعاء بعدما دعمتها بيانات قوية عن نشاط المصانع، إلى جانب تأكيدات رسمية على الاستمرار في مسار «التنمية عالية الجودة». ووجد المستثمرون في هذه التطورات ما يكفي لتعزيز شهية المخاطرة، رغم بقاء الأسئلة مفتوحة حول توازن التعافي الاقتصادي في ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
وارتفع مؤشر الشركات الكبرى «سي إس آي 300» بنحو 0.4 في المائة بحلول منتصف الجلسة، بينما صعد مؤشر «شنغهاي المركب» بنسبة 1.1 في المائة. وجاء الأداء الإيجابي في وقت كانت فيه هونغ كونغ مغلقة بسبب عطلة رسمية، ما حدّ من التفاعل الإقليمي مع الحركة الصاعدة في البرّ الصيني.
التصنيع يواصل التوسع للشهر السابع
أظهر مسح أعمال نُشر الأربعاء أن قطاع التصنيع في الصين واصل النمو للشهر السابع على التوالي خلال يونيو، في إشارة إلى أن قطاع الإنتاج ما زال يحتفظ بزخمه رغم تباطؤ بعض مكونات الطلب المحلي. كما سجل القطاع أفضل أداء ربع سنوي له منذ أواخر عام 2020، وهو ما منح الأسواق دفعة إضافية في بداية النصف الثاني من العام.
ويعكس هذا التحسن أن الصناعة الصينية ما تزال قادرة على تقديم دعم ملموس للنشاط الاقتصادي، حتى مع استمرار الضغوط المرتبطة بالعقار، وضعف ثقة المستهلك، وتفاوت أداء القطاعات بين التقليدية والتكنولوجية. بالنسبة للمستثمرين، فإن هذه البيانات تعزز الرهان على أن قاع النمو قد لا يكون بعيداً، حتى لو ظل التعافي غير متساوٍ.
رسالة بكين: نمو قائم على الابتكار
تزامن صعود الأسهم مع تعهد الرئيس شي جينبينغ بالمضي قدماً في تعزيز «التنمية عالية الجودة»، وهي عبارة تستخدم في الخطاب الاقتصادي الصيني للإشارة إلى نموذج نمو أكثر استدامة واعتماداً على الابتكار والتحديث الصناعي بدلاً من التوسع الكمي السريع فقط.
هذا التوجه وجد صداه بوضوح في حركة السوق، حيث واصلت أسهم التكنولوجيا التفوق على القطاعات التقليدية، في انعكاس لتغير مركز الثقل داخل الاقتصاد نحو الصناعات الأكثر ارتباطاً بالابتكار وسلاسل التوريد المتقدمة. وبالنسبة للمحللين، فإن هذا التحول لا يقتصر على السياسة الاقتصادية، بل يمتد إلى إعادة تشكيل أولويات المستثمرين المحليين والدوليين.
الرقائق والتكنولوجيا الحيوية تقود المكاسب
كانت أسهم الشركات المرتبطة بصناعة الرقائق الإلكترونية من أبرز المستفيدين، إذ قفز مؤشر يتتبع معدات ومواد هذه الصناعة بنحو 4 في المائة ليبلغ مستويات قياسية جديدة. كما حققت قطاعات الابتكار الأخرى، مثل التكنولوجيا الحيوية والبرمجيات، مكاسب لافتة عززت الاتجاه العام الصاعد.
وفي المقابل، لم تقتصر التحركات على القطاعات الجديدة فقط، إذ شهدت بعض المجالات التقليدية مثل الزراعة والعقارات ارتفاعات حادة أيضاً. ويشير هذا التوسع النسبي في نطاق الصعود إلى أن شهية المستثمرين أصبحت أكثر اتساعاً، حتى وإن ظل التمييز واضحاً بين الشركات المرتبطة بالنمو الهيكلي وتلك الأكثر حساسية للدورة الاقتصادية.
وقال فيكاس بيرشاد، مدير محافظ الأسهم الآسيوية في شركة «إم آند جي» للاستثمارات، إن هناك فرصاً جذابة في الصين بأسعار معقولة عبر قطاعات متعددة، مضيفاً أن المخصصات ليست مجرد خطوة تحفظية لإدارة رأس المال، بل تستند إلى قناعة بوجود إمكانات حقيقية للعوائد. ووفق هذا المنظور، فإن السوق الصينية ما تزال قادرة على تقديم مزيج من النمو والتقييمات المقبولة مقارنةً ببعض الأسواق الأخرى في المنطقة.
حذر في المدى القريب رغم تحسن المؤشرات
رغم التحسن الأخير، لا يزال كثير من المستثمرين يتعاملون بحذر مع آفاق النمو على المدى القريب. وأشار بنك غولدمان ساكس في مذكرة إلى أن العملاء المحليين الذين التقاهم خلال الأسبوع الماضي كانوا أكثر تحفظاً بشأن زخم الاقتصاد، مع قناعة متزايدة بأن مزيج النمو أصبح أكثر تنوعاً وأقل اعتماداً على محرك واحد.
وتركزت النقاشات، بحسب البنك، على هشاشة ثقة المستهلك، والضغوط المستمرة في سوق العمل، وتأثير الركود العقاري على الثروة والأصول الأسرية. وهذه العوامل تجعل التعافي أبطأ وأكثر تعقيداً، حتى عندما تتعافى بعض المؤشرات الصناعية والتكنولوجية بصورة واضحة.
كما ترى مؤسسات بحثية أن السياسة الاقتصادية في المرحلة المقبلة قد تظل رد فعلية أكثر من كونها استباقية، ما لم تظهر مخاطر تباطؤ أكبر. وهذا يعني أن الأسواق قد لا تراهن على حزم دعم واسعة أو خفض سريع للقيود ما لم تتدهور الأوضاع بصورة أكثر وضوحاً.
اليوان يتراجع وسط قوة الدولار
على صعيد العملات، تراجع اليوان الصيني أمام الدولار رغم قيام بنك الشعب الصيني بتحديد سعر إرشادي أقوى من المتوقع. وجاء هذا التراجع في وقت استعادت فيه العملة الأميركية بعض قوتها، مدعومة بتوقعات رفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة.
وبلغ سعر اليوان في السوق المحلية 6.7922 للدولار، منخفضاً بنحو 0.05 في المائة عن إغلاق الجلسة السابقة. وفي المقابل، صعد مؤشر الدولار في التعاملات الآسيوية بنسبة 0.1 في المائة، ما زاد الضغط على العملة الصينية في الأجل القصير.
ورغم أن اليوان ارتفع بنحو 2.8 في المائة منذ بداية العام، فإن هذا الأداء القوي لا يبدو مستقراً بالكامل. فقد استفاد اليوان خلال الأشهر الماضية من قوة الصادرات الصينية، التي دعمتها أيضاً موجة الطلب المرتبطة بالنمو العالمي في الذكاء الاصطناعي، إلا أن ضعف الطلب المحلي لا يزال يحد من الأساسيات الداعمة للعملة.
ويرى محللون أن الفجوة بين قوة بعض مؤشرات التصدير وضعف الاستهلاك الداخلي تجعل اليوان عرضة للتقلب، خصوصاً إذا استمر التباين بين أداء الاقتصاد الحقيقي وتوقعات السوق. لذلك، فإن الاتجاه العام للعملة سيبقى مرتبطاً بقدرة بكين على تحقيق توازن أوضح بين دعم الطلب المحلي والحفاظ على قوة القطاع الخارجي.
الصورة الأكبر: تعافٍ جزئي وتحول هيكلي
تكشف الحركة الأخيرة في الأسهم الصينية عن مشهد اقتصادي مزدوج: من جهة، هناك صناعات وتكنولوجيا ومواد تصنيع تستفيد من السياسة الصناعية والابتكار، ومن جهة أخرى، لا يزال قطاع العقارات وضعف الثقة الاستهلاكية يلقيان بظلالهما على الاقتصاد الأوسع. هذا التناقض هو ما يجعل قراءة السوق الصينية معقدة، لكنه في الوقت نفسه يفسر تباين أداء الأسهم بين القطاعات.
وبالنسبة للمستثمرين، فإن المسألة لم تعد تقتصر على انتظار انتعاش شامل، بل على انتقاء القطاعات التي تتماشى مع أولويات بكين الجديدة. ومع استمرار نمو التصنيع، وتحسن بعض مؤشرات الابتكار، وتزايد الاهتمام بأسهم الرقائق والتكنولوجيا، تبدو السوق الصينية في مرحلة إعادة تسعير تدريجية لا تخلو من المخاطر، لكنها تحمل أيضاً فرصاً انتقائية واضحة.