تحرك محدود في العقود الآجلة مع نهاية ربع قوي
سجلت العقود الآجلة للأسهم الأميركية ارتفاعاً طفيفاً في بداية تعاملات الثلاثاء، في جلسة اتسمت بالحذر مع اقتراب المستثمرين من نهاية ربع سنوي شهد أداءً قوياً للأسواق. وجاءت الحركة المحدودة بعد موجة صعود ممتدة دفعت العديد من المتعاملين إلى إعادة موازنة مراكزهم، في وقت تتزايد فيه الرهانات على أن البيانات الاقتصادية المقبلة ستمنح إشارات أوضح بشأن مسار الاقتصاد الأميركي والسياسة النقدية.
وصعدت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» و«ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.2 في المائة لكل منهما، بينما ارتفعت عقود «ناسداك» بنسبة 0.34 في المائة. وتعكس هذه التحركات حالة انتظار أكثر من كونها اندفاعاً شرائياً واسع النطاق، خصوصاً بعد أن استفادت الأسهم خلال الفترة الماضية من تفاؤل المستثمرين بشأن مرونة الاقتصاد الأميركي.
بيانات الوظائف والثقة تضع السوق أمام اختبار جديد
يركز المستثمرون اليوم على مجموعة من البيانات التي قد تساعد في قياس قوة النشاط الاقتصادي، وفي مقدمتها تقرير فرص العمل الشاغرة في الولايات المتحدة المعروف باسم JOLTS، إلى جانب مؤشر ثقة المستهلك الصادر عن مجلس المؤتمرات. وتكتسب هذه البيانات أهمية خاصة لأنها تأتي في توقيت حساس، إذ يحاول المتعاملون تقييم ما إذا كان تباطؤ بعض المؤشرات الأخيرة مجرد تهدئة مؤقتة أم بداية لمسار أضعف في النمو.
وبالنسبة للأسواق، لا تقتصر أهمية هذه الأرقام على صورة الاقتصاد فحسب، بل تمتد إلى توقعات أسعار الفائدة أيضاً. فكل قراءة أقوى من المتوقع قد تعني بقاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي أكثر حذراً في مسألة خفض الفائدة، بينما قد تعزز البيانات الأضعف الرهانات على تخفيف السياسة النقدية لاحقاً خلال العام.
مكاسب ربع سنوية قوية رغم تقلبات يونيو
رغم التقلبات الأخيرة، حافظت الأسهم الأميركية على أداء لافت خلال الربع الحالي. وكان مؤشرا «ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك» يتجهان نحو تسجيل أفضل أداء ربع سنوي منذ ست سنوات، في حين كان «داو جونز» على مسار يتيح له تحقيق أكبر مكاسبه الفصلية منذ عام 2022. لكن الزخم تعرّض لبعض الضغوط في الأسابيع الأخيرة، ما أدى إلى تراجع المؤشرين الرئيسيين وإنهاء سلسلة مكاسب استمرت شهرين خلال يونيو.
في المقابل، أظهر «داو جونز» صموداً نسبياً مقارنة ببقية المؤشرات، وسار نحو تحقيق مكسب شهري ثالث على التوالي. ويشير هذا التباين إلى أن المستثمرين باتوا أكثر انتقائية، مع ميل بعضهم إلى القطاعات الدفاعية نسبياً أو الأقل حساسية لمخاطر تقييمات التكنولوجيا المرتفعة.
التكنولوجيا وأشباه الموصلات تحت المراقبة
لا تزال أسهم التكنولوجيا وأشباه الموصلات محور اهتمام المتعاملين، بعدما تعرضت لموجة بيع أخيرة أثارت تساؤلات حول استدامة الصعود الذي قاد السوق في وقت سابق من العام. ويرى محللون أن موسم نتائج الأعمال المرتقب قد يعيد تشغيل الزخم في هذا القطاع إذا جاءت الأرقام أفضل من التقديرات، خصوصاً في ظل استمرار الرهان على أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي سيبقى أحد أهم محركات النمو للشركات الكبرى.
وقال برايان ليفيت، كبير استراتيجيي الأسواق العالمية في «إنفيسكو»، إن قطاع التكنولوجيا شهد تباطؤاً في يونيو، لكنه اعتبر أن هذا الاتجاه يمكن أن يتبدل سريعاً مع بدء موسم الأرباح. وتظل هذه القراءة منسجمة مع حالة السوق الراهنة، حيث تتحرك الأسعار بقدر كبير من الحساسية تجاه أي إشارة تتعلق بالإيرادات أو هوامش الربحية أو الإنفاق الرأسمالي المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
المخاطر الجيوسياسية تبقى عنصراً مؤثراً
إلى جانب البيانات الاقتصادية، يواصل المستثمرون مراقبة التطورات الجيوسياسية التي تؤثر في شهيتهم للمخاطرة. فالتوترات المستمرة، إلى جانب هبوط أسعار النفط في بعض الفترات، وقلق الأسواق من حجم الإنفاق المرتبط بمشروعات الذكاء الاصطناعي، كلها عوامل تجعل موجات الصعود أكثر هشاشة من السابق.
ويذهب بعض المحللين إلى أن أي مكاسب مستدامة خلال النصف الثاني من العام ستحتاج إلى هدوء أكبر في الملفات الجيوسياسية، إضافة إلى وضوح أكبر بشأن مسار أسعار الفائدة. وفي هذا السياق، يظل الصراع الأميركي الإيراني من بين الملفات التي يراقبها المستثمرون باعتباره عاملاً قادراً على تغيير مزاج السوق بسرعة.
رهانات الفائدة تظل حاضرة في خلفية المشهد
تشير تقديرات مجموعة بورصة لندن إلى أن الأسواق تتوقع خفضاً واحداً على الأقل في أسعار الفائدة من جانب الاحتياطي الفيدرالي بحلول نهاية عام 2026. لكن هذا التسعير يظل قابلاً للتعديل مع كل قراءة جديدة تصدر عن سوق العمل أو التضخم أو ثقة المستهلك. لذلك، لا ينظر المستثمرون إلى البيانات المقبلة بوصفها أرقاماً عابرة، بل كجزء من معادلة أوسع تحدد اتجاه السياسة النقدية في الأشهر المقبلة.
كما يترقب المتعاملون تصريحات رئيس المجلس كيفين وارش خلال مؤتمر اقتصادي رفيع المستوى في البرتغال، إذ قد توفر هذه التصريحات مؤشراً إضافياً حول كيفية تقييم صناع السياسة النقدية لقوة الاقتصاد ومخاطر التباطؤ. وفي ظل هذا التشابك بين البيانات والتصريحات والتوترات العالمية، تبدو الأسواق في وضع انتظار محسوب أكثر من كونها في مرحلة اتجاه واضح.
تحركات قبل الافتتاح تعكس تبايناً في نتائج الشركات
قبل افتتاح السوق، ظهرت إشارات متباينة على مستوى الأسهم الفردية. فقد هبط سهم «كونسنتريكس» بشكل حاد بعد خفض توقعات الإيرادات والأرباح المعدلة، بينما قفز سهم «إيروفيرونمنت» على خلفية نمو قوي في الإيرادات الفصلية. ويعكس هذا التباين أن السوق لا يتعامل مع الشركات بالمنطق نفسه، بل يميز بين من ينجح في إدارة الهوامش والتوقعات وبين من يواجه ضغوطاً تشغيلية مباشرة.
كما تراجعت أسهم «مورغان ستانلي» و«غولدمان ساكس» بعد خفض تصنيف قطاع بنوك الاستثمار، وهو ما يشير إلى أن القطاع المالي لا يزال تحت المجهر أيضاً، في وقت يفضل فيه بعض المستثمرين إعادة توجيه رؤوس الأموال نحو شركات إدارة الأصول البديلة. وتؤكد هذه التحركات أن السوق يدخل النصف الثاني من العام وهو أكثر انتقائية، وأقل استعداداً لمكافأة الأسهم من دون أساس واضح في الأرباح أو التوقعات.