04-Jul-2026 5 دقائق قراءة

قروض البنوك الصينية الجديدة تتباطأ في مايو مع استمرار ضعف العقارات والطلب المحلي

أظهرت بيانات بنك الشعب الصيني تباطؤ القروض الجديدة في مايو بأقل من التوقعات، في إشارة إلى استمرار الضغط الذي يفرضه ضعف سوق العقارات وتراجع طلب الأسر على الاقتراض رغم محاولات تحفيز الائتمان.

تباطؤ الإقراض يعكس ضعف الطلب على التمويل

سجّلت البنوك الصينية في مايو نمواً أضعف من المتوقع في القروض الجديدة باليوان، في وقت ما زال فيه ضعف سوق العقارات يضغط على قدرة الأسر والشركات على الاقتراض. وتظهر البيانات أن التعافي مقارنة بشهر أبريل لم يكن كافياً لتغيير الصورة العامة، إذ بقي الطلب على التمويل دون المستويات المعتادة في اقتصاد بحجم الصين.

وبحسب الحسابات المستندة إلى بيانات بنك الشعب الصيني، بلغت القروض الجديدة باليوان في مايو 520 مليار يوان، أي ما يعادل نحو 77 مليار دولار، بعد انكماش قدره 10 مليارات يوان في أبريل. ورغم أن هذا التحسن أنهى شهرين متتاليين من التراجع، فإنه جاء أقل من توقعات المحللين التي أشارت إلى 550 مليار يوان.

ويعكس هذا الأداء استمرار حالة الحذر في السوق الائتمانية، مع تراجع شهية الأسر للاستدانة وتباطؤ وتيرة الإنفاق المرتبط بالسكن والاستهلاك. كما أن الفجوة بين النتائج الفعلية والتقديرات تشير إلى أن الضغوط على الطلب الداخلي ما زالت أقوى من أي دعم قصير الأجل من جانب البنوك.

العقارات تواصل كبح الاقتراض الأسري

يظل القطاع العقاري العامل الأكثر تأثيراً في سلوك الاقتراض داخل الصين. فمع استمرار تراجع الأسعار والمبيعات في عدد من المدن، تراجعت حاجة الأسر إلى التمويل العقاري أو رغبتها فيه، وهو ما انعكس مباشرة على إجمالي القروض الجديدة. ويشير محللون إلى أن دورة خفض المديونية لدى الأسر ما تزال قائمة، ما يعني أن كثيراً من الأسر تفضّل تقليص الالتزامات بدلاً من زيادة الاقتراض.

وأظهرت البيانات أن البنوك الصينية منحت قروضاً جديدة بقيمة 9.11 تريليون يوان خلال الفترة من يناير إلى مايو، مقارنة بـ10.68 تريليون يوان في الفترة نفسها من العام الماضي. ويؤكد هذا التراجع السنوي أن بيئة الأعمال الأضعف، إلى جانب انكماش الطلب الاستهلاكي وتواصل الضغوط العقارية، ما تزال تحد من توسع الائتمان.

وفي هذا السياق، رأت وحدة الأبحاث في بنك «إيه إن زد» أن استمرار تقليص المديونية لدى الأسر قد يرفع من أهمية السياسات المالية أكثر من الأدوات النقدية وحدها في دعم الاستقرار الاقتصادي. ويعني ذلك أن تحفيز النمو قد يحتاج إلى تدخلات أوسع من مجرد تشجيع البنوك على الإقراض.

دعم غير مباشر من السلطات لا يغير الصورة بالكامل

تشير المعطيات إلى أن بنك الشعب الصيني وجّه بعض البنوك الحكومية الكبرى بشكل غير معلن إلى زيادة الإقراض في مايو، بعد تعليمات مشابهة في أبريل. لكن هذه التوجيهات لم تُترجم إلى تحسن قوي في الأرقام الشهرية، وهو ما يوضح حدود قدرة البنوك المركزية وحدها على دفع الطلب إذا كانت شهية الاقتصاد الحقيقية ضعيفة.

وكان أبريل قد شهد أول انخفاض شهري في القروض الجديدة هذا العام، ويُعزى ذلك أساساً إلى ضعف طلب الأسر على الاقتراض. أما في مايو، فقد ساعدت بعض إجراءات الدعم والتوجيهات الائتمانية في تحقيق تعافٍ جزئي، لكنها لم تكن كافية لتجاوز التوقعات أو إعادة النشاط إلى مستواه السابق.

ويرى مراقبون أن المشكلة لا تتعلق فقط بتوافر التمويل، بل بضعف الثقة في آفاق النمو وفرص الاستثمار والإنفاق الاستهلاكي. فعندما تتراجع توقعات الأسر بشأن الدخل والأسعار والعقارات، يصبح التوسع في الاقتراض أقل جاذبية حتى لو كانت شروط التمويل ميسرة نسبياً.

المؤشرات النقدية تظهر تبايناً في الاتجاهات

على الرغم من ضعف القروض الجديدة، أظهرت بعض مؤشرات السيولة في الصين أداءً أكثر استقراراً. فقد نما المعروض النقدي الواسع M2 بنسبة 8.6 في المائة في مايو على أساس سنوي، متجاوزاً قليلاً متوسط توقعات السوق. كما حافظ هذا المؤشر على وتيرته نفسها تقريباً مقارنة بأبريل.

أما المعروض النقدي الأضيق M1 فارتفع بنسبة 5.5 في المائة في مايو، بعد نمو بلغ 5 في المائة في أبريل. وفي الوقت نفسه، ارتفع إجمالي التمويل الاجتماعي القائم، وهو مقياس واسع للائتمان والسيولة، بنسبة 7.7 في المائة على أساس سنوي، مقابل 7.8 في المائة في أبريل.

وتشير هذه الأرقام إلى أن السيولة الكلية لا تزال متوفرة نسبياً، لكن انتقالها إلى قروض فعلية ونشاط اقتصادي ملموس يظل بطيئاً. وبمعنى آخر، هناك وفرة نسبية في النظام المالي، لكن الحلقة الأضعف تبقى في جانب الطلب وليس في جانب العرض الائتماني فقط.

الاستهلاك والنقل والسلع الأساسية تحت الضغط

تتزامن هذه التطورات مع علامات أضعف في الاستهلاك المحلي. فقد أشار محللو بنك «إيه إن زد» إلى أن الزخم الاستهلاكي الأساسي ما زال ضعيفاً، مستشهدين بانخفاض حاد في مبيعات السيارات خلال مايو. ويُعد هذا القطاع عادةً من المؤشرات المبكرة على مزاج المستهلكين ومستوى الثقة في الدخل المستقبلي.

كما أن تباطؤ النشاط الصناعي وتراجع مبيعات التجزئة إلى أدنى مستوياتها في أكثر من ثلاث سنوات خلال أبريل أظهرا أن الاقتصاد الصيني يواجه ضغوطاً متعددة الاتجاهات. وتضاف إلى ذلك آثار ارتفاع تكاليف الطاقة الناتجة عن الحرب الإيرانية، إلى جانب استمرار ضعف الطلب المحلي، ما يخلق بيئة صعبة أمام التوسع الائتماني.

وفي قطاع العقارات تحديداً، لا تزال مبيعات المنازل الجديدة تشير إلى فجوات واضحة بين المدن الكبرى وغيرها، وهو ما يعمق التباين في الأداء الاقتصادي بين المناطق. وعندما يتراجع النشاط العقاري، تمتد آثاره إلى قطاعات التمويل والإنشاءات والمواد الخام والاستهلاك المرتبط بالتأثيث والخدمات المنزلية.

ما الذي تعنيه الأرقام للاقتصاد الصيني؟

توضح بيانات مايو أن الصين ما زالت تكافح لتحويل الدعم النقدي إلى طلب فعلي قوي. فالنمو في القروض الجديدة أقل من المتوقع، والائتمان الممنوح للأسر لا يزال متأثراً بأزمة العقارات، بينما يبقى الاستهلاك حذراً. هذا الخليط يجعل مهمة صناع السياسات أكثر تعقيداً، لأن التحفيز المالي والنقدي يحتاج إلى بيئة ثقة أفضل حتى يحقق أثراً أوسع.

كما أن استمرار تراجع الإقبال على الاقتراض قد يعني أن الاقتصاد الصيني يدخل مرحلة أكثر اعتماداً على السياسات الحكومية المباشرة، سواء عبر الإنفاق العام أو دعم قطاعات محددة أو تسهيلات مالية تستهدف الاستهلاك والاستثمار. وفي حال بقي الطلب الخاص ضعيفاً، فقد تستمر البنوك في تسجيل أرقام مختلطة تجمع بين وفرة السيولة وضعف التوسع الائتماني.

وبالنسبة للأسواق، تعني هذه البيانات أن مسار التعافي في الصين لا يزال هشاً، وأن أي تحسن في الائتمان يحتاج إلى تحسن موازٍ في سوق العقارات وثقة المستهلكين وتوقعات الأعمال. وحتى يحدث ذلك، سيظل نمو القروض الجديدة مؤشراً حساساً على محدودية الزخم الاقتصادي أكثر من كونه علامة على انتعاش كامل.