عودة الشكوك إلى الأسواق البريطانية
دخلت بريطانيا مرحلة جديدة من الترقب المالي بعد استقالة كير ستارمر وبدء سباق خلافته داخل حزب العمال، في وقت يرى فيه المستثمرون أن النتيجة لن تكون سياسية فقط، بل اقتصادية بالدرجة الأولى. فالأسواق لا تتابع أسماء المرشحين بقدر ما تراقب الإشارات التي ستحدد مسار السياسة الضريبية والإنفاق العام والتزام الحكومة المقبلة بقواعد الانضباط المالي.
هذه التطورات أعادت إلى الواجهة أجواء عدم اليقين التي سادت بعد استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، حين أصبحت كل إشارة سياسية كفيلة بتحريك الجنيه الإسترليني وعوائد السندات الحكومية البريطانية. ومع اقتراب الذكرى العاشرة لـ«بريكست»، يبدو أن المستثمرين ما زالوا يتعاملون بحذر مع الأصول البريطانية، خصوصاً في ظل هشاشة النمو وارتفاع المديونية.
الديون والعجز يضغطان على السياسة الاقتصادية
تأتي هذه اللحظة في وقت تعاني فيه بريطانيا واحدة من أعلى تكاليف الاقتراض بين اقتصادات مجموعة السبع. ويعود ذلك إلى مزيج من العوامل، أبرزها تراكم الدين العام، وضعف وتيرة النمو، وتزايد الإنفاق الحكومي، إلى جانب التزامات إضافية مرتبطة بالأمن والدفاع. وهذه المعادلة تجعل أي تغيير في القيادة السياسية محل اختبار فوري من قبل أسواق الدين.
المشكلة الأساسية لا تتعلق فقط بمستوى الدين، بل أيضاً بقدرة الحكومة المقبلة على تقديم رؤية قابلة للتنفيذ بشأن الضرائب والإنفاق. فالمستثمرون في السندات لا يكتفون بالوعود العامة، بل يطالبون بخطة واضحة تحدد كيف ستُدار المالية العامة من دون زيادة الضغوط على الاقتراض أو تهديد استقرار العملة.
السندات والجنيه في قلب رد الفعل السوقي
تُعد سوق السندات الحكومية البريطانية المؤشر الأكثر حساسية لأي انتقال سياسي. وقد ظهرت أولى ردود الفعل المحدودة مع تحركات متواضعة في الأسواق بعد الحديث عن دعم سياسي لآندي بورنهام، إذ تراجعت عوائد السندات وحقق الجنيه بعض المكاسب، ما يعكس أن المتعاملين يربطون مباشرة بين شكل الحكومة المقبلة وميلها المالي.
استقر الجنيه الإسترليني عند 1.324 دولار، بعد تراجعه في جلسات سابقة إلى 1.318 دولار. وفي المقابل، انخفض عائد السندات البريطانية لأجل عشر سنوات بمقدار 2.5 نقطة أساس إلى نحو 4.82 في المائة، ليظل قريباً من أعلى مستوياته منذ الأزمة المالية العالمية في 2008. ويشير ذلك إلى أن شهية المستثمرين للمخاطرة ما زالت محدودة، وأن أي تحسن في الأسعار يبقى هشاً وسريع التأثر بالأخبار السياسية.
كما عكست مؤشرات الأسهم تبايناً واضحاً؛ إذ ارتفع مؤشر «فوتسي 100» الذي يضم شركات كبرى متعددة الجنسيات، بينما تراجع مؤشر «فوتسي 250» الأكثر ارتباطاً بالاقتصاد المحلي. ويعني هذا أن الأسواق تميز بين شركات قادرة على الاستفادة من الإيرادات العالمية وبين شركات تتأثر مباشرة بالطلب الداخلي البريطاني.
الأسواق تراقب هوية الفريق الاقتصادي المقبل
لا تقتصر أهمية سباق القيادة على الشخص الفائز، بل تشمل أيضاً هوية وزير المالية المحتمل والفريق الاقتصادي الذي سيحيط به. فالمتعاملون في الأسواق يتوقعون أن يكون هذا المنصب الأكثر تأثيراً في المرحلة المقبلة، لأنه سيتولى صياغة الموقف من الضرائب والإنفاق وإدارة العلاقة مع المستثمرين وحملة السندات.
وتشير التقديرات إلى أن الأسواق تميل إلى اختبار أي قيادة جديدة عبر ثلاث نقاط رئيسية: مدى الالتزام بالقواعد المالية، وقدرة الحكومة على دعم النمو، ووضوح الرسائل بشأن العجز والدين. وكلما زادت الضبابية، ارتفعت علاوة المخاطر على الأصول البريطانية.
ويرى محللون أن التصريحات التي تؤكد احترام القواعد المالية تخفف القلق على المدى القصير، لكنها لا تكفي وحدها ما لم تقترن بتفاصيل عملية. فالأسواق أصبحت أكثر حساسية لأي لغة توسعية في الإنفاق، خصوصاً في ظل ارتفاع عوائد السندات عالمياً وتشديد شروط التمويل.
ضرائب محتملة على القطاع المصرفي
من بين السيناريوهات التي يجري تداولها في الأوساط الاقتصادية احتمال فرض ضرائب إضافية على البنوك بهدف رفع الإيرادات العامة. ويأتي هذا الطرح في وقت تحقق فيه المؤسسات المصرفية أرباحاً قوية، ما يجعله خياراً مغرياً سياسياً، لكنه قد يثير تساؤلات حول أثره على الاستثمار والائتمان والقدرة التنافسية للقطاع المالي البريطاني.
ومع أن مثل هذه الخطوة قد تساعد الحكومة المقبلة على سد فجوة في الموازنة، فإنها قد تُفسَّر من قبل الأسواق باعتبارها إشارة إلى ضغوط مالية أعمق، وهو ما قد ينعكس على تقييم المخاطر السيادية. لذلك، لا ينظر المستثمرون فقط إلى حجم الضرائب المحتمل، بل إلى ما إذا كانت تلك الضرائب جزءاً من استراتيجية متماسكة أم مجرد استجابة سريعة لحاجة تمويلية.
لماذا يظل المشهد حساساً الآن
تتزامن الأزمة السياسية مع مرحلة دولية معقدة تشمل تقلبات في أسعار الفائدة العالمية وتبدلات في شهية المستثمرين نحو الأصول عالية العائد. وفي هذا السياق، تصبح بريطانيا أكثر عرضة للتقلبات إذا افتقرت القيادة المقبلة إلى خطاب مالي مقنع. فالأسواق العالمية لا تمنح وقتاً طويلاً لاختبار النوايا، بل تتعامل مع النتائج الفعلية منذ الأيام الأولى.
كما أن أي إشارة إلى انقسام داخلي حاد أو انتقال غير منظم للسلطة قد تزيد الضغوط على العملة والسندات معاً. أما إذا جاء الانتقال سلساً ورافقه تأكيد واضح على الانضباط المالي، فقد تحصل الأسواق على قدر من الطمأنة المؤقتة، حتى لو بقيت التحديات الهيكلية قائمة.
خلاصة المشهد
ما يجري في بريطانيا اليوم يتجاوز مجرد سباق على القيادة داخل حزب سياسي. إنه اختبار لثقة الأسواق في قدرة البلاد على إدارة ديونها ونموها وميزانيتها في وقت حساس. وبينما يترقب المستثمرون هوية الفريق الاقتصادي المقبل، تبقى السندات والجنيه الإسترليني المؤشرين الأبرز على أي تحول في المزاج المالي.
وفي ظل استمرار الضغوط على المالية العامة وتقدم المخاوف من مرحلة تشبه ما بعد «بريكست»، تبدو بريطانيا أمام معادلة دقيقة: قيادة سياسية جديدة تحتاج إلى إثبات سريع لمصداقيتها، وأسواق لا تمنح الثقة إلا مقابل وضوح وانضباط ماليين.