06-Jul-2026 5 دقائق قراءة

اتفاق مبدئي بين واشنطن وطهران يضغط على عوائد السندات الأوروبية ويهوي بأسعار الطاقة

تراجعت عوائد سندات منطقة اليورو إلى أدنى مستوياتها في أسبوعين بعد اتفاق مبدئي بين الولايات المتحدة وإيران، وسط هبوط حاد في أسعار النفط والغاز وتراجع رهانات الأسواق على مزيد من التشديد النقدي من البنك المركزي الأوروبي.

تراجع سريع في عوائد السندات الأوروبية

سجلت عوائد السندات الحكومية في منطقة اليورو انخفاضاً ملحوظاً يوم الاثنين، لتصل إلى أدنى مستوياتها في نحو أسبوعين، بعدما انعكست على الأسواق أنباء التوصل إلى اتفاق مبدئي بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز. وجاءت هذه الحركة بالتزامن مع هبوط حاد في أسعار النفط، ما خفف المخاوف من استمرار الضغوط التضخمية في أوروبا والعالم.

وفي ألمانيا، انخفض العائد على السندات لأجل عشر سنوات، وهو المؤشر المرجعي الأهم في سوق الدين الأوروبية، بمقدار 4 نقاط أساس ليصل إلى 2.957 في المائة، وهو أدنى مستوى منذ مطلع يونيو. كما تراجع العائد على السندات الألمانية لأجل عامين، الأكثر ارتباطاً بتوقعات السياسة النقدية، بالمقدار نفسه إلى 2.571 في المائة، ليهبط إلى أدنى مستوى له في أسبوعين.

ويعكس هذا التحرك إعادة تسعير سريعة من جانب المستثمرين، إذ بدأت الأسواق ترى أن هدوء أسعار الطاقة قد يخفف الحاجة إلى رفع الفائدة بوتيرة أكثر حدة من قبل البنك المركزي الأوروبي خلال الأشهر المقبلة.

النفط والغاز تحت ضغط إعادة فتح المضيق

كان العامل الأكثر تأثيراً في الأسواق هو الحديث عن استئناف الحركة عبر مضيق هرمز، الممر الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية. وأي عودة تدريجية للاستقرار في هذا المسار الملاحي تعني، من منظور المستثمرين، تراجع احتمال حدوث صدمة جديدة في الإمدادات أو قفزات إضافية في أسعار الخام.

وبالتوازي مع ذلك، انخفض خام برنت بنحو 4 في المائة إلى 83.80 دولار للبرميل، مسجلاً أدنى مستوى له منذ أوائل مارس. وفي أسواق الغاز الأوروبية، هبطت العقود الآجلة بنحو 5 في المائة، مع تراجع عقد الشهر الأول القياسي في مركز «تي تي إف» الهولندي إلى 44.36 يورو لكل ميغاواط/ ساعة، فيما تراجع العقد البريطاني إلى 106.17 بنس لكل وحدة حرارية.

هذا الهبوط لم يكن معزولاً عن سياق أوسع في أسواق الطاقة، حيث إن المتعاملين يراقبون أيضاً سرعة عودة الإنتاج من دول الخليج ومستوى الأضرار التي لحقت ببعض البنية التحتية، إضافة إلى أثر الطقس والطلب الموسمي في أوروبا وآسيا.

المتداولون يخففون رهاناتهم على الفائدة

مع تراجع أسعار الطاقة، بدأت أسواق المال تخفف تقديراتها لعدد مرات رفع الفائدة المحتملة من البنك المركزي الأوروبي خلال العام الحالي. وتشير التسعيرات الجديدة إلى زيادات إضافية بحجم 32 نقطة أساس فقط، مقارنة بتوقعات سابقة كانت تتجاوز 40 نقطة أساس بعد قرار البنك المركزي الأوروبي الأخير رفع الفائدة.

ويعني ذلك أن المستثمرين أصبحوا يميلون إلى الاعتقاد بأن صدمة التضخم المرتبطة بالطاقة قد تكون أقل حدة مما خشي منه كثيرون في الأسابيع الماضية، ما يمنح صانعي السياسة النقدية مساحة أوسع للترقب بدلاً من الاستجابة السريعة بمزيد من التشديد.

ومع ذلك، لا تزال الأسواق تتعامل بحذر، لأن أي تفاصيل غير مكتملة بشأن الاتفاق أو تأخر في إعادة فتح الممرات البحرية قد يعيدان حالة التوتر إلى أسعار السندات والطاقة بسرعة.

تفاصيل الاتفاق لا تزال العامل الحاسم

أشار محللون إلى أن السوق استجابت للمبدأ العام للاتفاق أكثر من استجابتها لتفاصيله، إذ ما زال من غير الواضح مدى الانفتاح الكامل لمضيق هرمز، والجدول الزمني المحتمل لرفع العقوبات الأميركية عن إيران، وكيف سيؤثر ذلك في تدفقات النفط والغاز خلال الفترة المقبلة.

وقال موهيت كومار، كبير الاقتصاديين الأوروبيين لدى «جيفريز»، إن الغموض لا يزال يحيط بكيفية تنفيذ الاتفاق، مشدداً على أن السؤال الأهم يتمثل في ما إذا كان المرور عبر المضيق سيعود طبيعياً بالكامل، وما إذا كانت أسعار النفط ستنخفض إلى مستويات ما قبل الحرب.

هذا الغموض يفسر بقاء جزء من التحركات في السوق ضمن نطاق رد فعل أولي، وليس تحولاً نهائياً في تسعير المخاطر الجيوسياسية. فالمستثمرون ينتظرون إشارات عملية على الأرض قبل بناء مراكز طويلة الأجل جديدة في السندات أو الطاقة.

انعكاسات مباشرة على سوق الدين في إيطاليا وأوروبا

لم يقتصر التراجع على ألمانيا وحدها، إذ انخفض عائد السندات الإيطالية لأجل عشر سنوات بمقدار 4 نقاط أساس أيضاً إلى 3.693 في المائة. ويؤشر ذلك إلى أن موجة التحسن في المعنويات شملت معظم أسواق الدين في القارة، مع انتقال الأثر الإيجابي من النفط إلى توقعات التضخم ثم إلى تسعير السندات.

وتستفيد السندات عادة من أي تراجع في توقعات التضخم أو تباطؤ في الرهانات على رفع الفائدة، لأن القيمة الاسمية للعائد تصبح أكثر جاذبية في بيئة أقل تشدداً. كما أن هبوط العوائد قد يخفف بعض الضغوط على الحكومات المثقلة بعبء التمويل، خصوصاً في الاقتصادات ذات الديون المرتفعة نسبياً.

البنك المركزي الأوروبي تحت المراقبة

في موازاة هذه التطورات، أكدت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد أنها ستواصل أداء مهامها في المرحلة الحالية، في وقت لا تزال فيه المؤسسة النقدية الأوروبية تواجه تحدي الموازنة بين احتواء التضخم وتجنب خنق النمو. ويأتي هذا الموقف بينما يراقب البنك عن قرب أثر أسعار الطاقة على مسار الأسعار خلال الأشهر المقبلة.

وكان البنك قد رفع الفائدة الأسبوع الماضي إلى 2.25 في المائة في محاولة للحد من الضغوط التضخمية الناجمة عن التوترات في الشرق الأوسط. لكن هبوط النفط والغاز قد يخفف من الحاجة إلى خطوات أشد لاحقاً، إذا ثبت أن الاضطراب في الإمدادات كان قصير الأمد ولم يتحول إلى صدمة ممتدة.

ومع ذلك، تبقى السياسة النقدية رهناً بالبيانات، وليس فقط بتطورات الجغرافيا السياسية. فإذا ظلت أسعار الطاقة منخفضة واستقرت سلاسل الإمداد، فقد تجد الأسواق نفسها أمام دورة أقل عدوانية من التشديد النقدي في منطقة اليورو.

ما الذي يراقبه المستثمرون الآن؟

يركز المستثمرون حالياً على ثلاثة عناصر أساسية: سرعة فتح مضيق هرمز بشكل فعلي، حجم التعافي في إنتاج الطاقة بالمنطقة، وما إذا كانت أسعار النفط ستواصل الهبوط أو ستستقر عند مستويات أعلى من السابق. كما تظل حالة المخزونات الأوروبية، ومستوى الطلب الآسيوي على الغاز الطبيعي المسال، من العوامل التي قد تؤثر في تسعير السوق خلال الأيام والأسابيع المقبلة.

وفي بيئة كهذه، تظل السندات الأوروبية حساسة للغاية لأي تحول في أسعار الطاقة، بينما تبقى أسواق الغاز والنفط المؤشر الأسرع على مدى اقتناع المستثمرين بأن المخاطر الجيوسياسية بدأت تتراجع فعلاً.

وبينما تلتقط الأسواق أنفاسها، يبدو واضحاً أن اتفاقاً مبدئياً واحداً كافٍ لتحريك السندات والطاقة معاً، لكن تثبيت هذا التحول يتطلب وضوحاً أكبر بشأن التنفيذ والالتزام والتوقيت.