جلسة متقلبة تنتهي على مكاسب محدودة
أنهى مؤشر نيكي الياباني تعاملات الاثنين على ارتفاع طفيف بعد جلسة شهدت تذبذباً حاداً، إذ كانت الأسهم المرتبطة بالرقائق الإلكترونية في صدارة الضغوط ثم تحولت لاحقاً إلى أحد أسباب التعافي. وجاء التحسن في المزاج الاستثماري بعد أن أعلنت كوريا الجنوبية عن خطط استثمارية واسعة النطاق في قطاعي أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، ما خفف من موجة البيع التي ضربت بعض أسهم التكنولوجيا في بداية اليوم.
وأغلق نيكي مرتفعاً 0.15 في المائة عند 69,468.11 نقطة، بعدما هبط في وقت سابق من الجلسة بما يصل إلى 1.97 في المائة. كما صعد مؤشر توبكس الأوسع نطاقاً 0.47 في المائة ليصل إلى 3,982 نقطة، في إشارة إلى تعافٍ أوسع في السوق اليابانية رغم استمرار الحذر تجاه أسهم التكنولوجيا عالية التقييم.
وقال محللون إن التحرك السريع في الأسعار عكس حساسية السوق الشديدة لأي أخبار تخص الرقائق والذكاء الاصطناعي، وهي القطاعات التي أصبحت المحرك الرئيسي لاتجاهات الأسهم الآسيوية خلال الفترة الأخيرة.
استثمارات كورية تعيد رسم المزاج في قطاع الرقائق
أحد العوامل التي دعمت التعافي كان إعلان الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ أن شركتي سامسونغ إلكترونيكس وإس كيه هاينكس ستستثمران مع مورّدين نحو 520 مليار دولار لبناء موقعين جديدين لتصنيع الرقائق في البلاد. وأعطى هذا الإعلان إشارات إلى استمرار السباق الآسيوي على توسيع القدرات الإنتاجية في صناعة الذاكرة والمعالجات، في وقت يتزايد فيه الطلب العالمي على مكونات الحوسبة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وبالنسبة للمستثمرين في طوكيو، مثّل هذا التطور دعماً نفسياً لأسهم القطاع، لأن اليابان ترتبط بسلسلة توريد عميقة مع الصناعة الكورية والعالمية لأشباه الموصلات، سواء عبر المواد الخام أو معدات الاختبار أو أدوات التصنيع الدقيقة. وعندما تتحسن التوقعات الخاصة بالإنفاق الرأسمالي في هذه الصناعة، تميل الأسواق إلى إعادة تسعير الشركات المرتبطة بها سريعاً.
وقال كازواكي شيمادا، كبير الاستراتيجيين في شركة إيواي كوزمو للأوراق المالية، إن أسهم تصنيع الرقائق كانت السبب في هبوط المؤشر ثم ساعدت هي نفسها في تقليص خسائره، في وصف يلخص الدور المزدوج الذي لعبه القطاع خلال الجلسة.
تقلبات حادة في أسهم التكنولوجيا
شهدت الأسهم المرتبطة بأشباه الموصلات تحركات متباينة، إذ قلصت كيوكسيا، المتخصصة في رقائق الذاكرة، خسائرها المبكرة لتغلق منخفضة 4.5 في المائة. وتراجعت أدفانتست، المتخصصة في معدات اختبار الرقائق، 1.51 في المائة. وفي المقابل، ارتفع سهم طوكيو إلكترون، المتخصصة في معدات تصنيع الرقائق، 2.44 في المائة.
وجاء الضغط المبكر على هذه الأسهم بعد هبوط مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات 5.3 في المائة يوم الجمعة، وهو ما أثار موجة حذر عالمية تجاه الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والرقائق. ورغم المكاسب الكبيرة التي حققتها هذه الشريحة خلال الأعوام الأخيرة، فإن التقييمات المرتفعة بدأت تدفع بعض المستثمرين إلى تدوير الأموال نحو قطاعات أقل سعراً وأكثر دفاعية.
وقال شوتارو ياسودا، محلل السوق في مختبر توكاي طوكيو للأبحاث، إن جزءاً من التحرك في السوق كان نتيجة انتقال المستثمرين من أسهم الذكاء الاصطناعي إلى الأسهم المتراجعة، مضيفاً أن القلق من مبالغة أسعار رقائق الذاكرة لعب دوراً في تقلبات الجلسة.
مكاسب لأسهم المستفيدين من تراجع أسعار الذاكرة
في الجانب الآخر من السوق، استفادت بعض الشركات الاستهلاكية من الهبوط النسبي في أسهم الرقائق. وقفز سهم نينتندو 5.25 في المائة، بينما ارتفع سهم مجموعة سوني 3.13 في المائة. ويرتبط ذلك بتوقعات أن تخفيف ضغوط أسعار رقائق الذاكرة قد ينعكس إيجاباً على تكاليف الإنتاج في صناعات الأجهزة والترفيه الإلكتروني.
ويعكس هذا التباين في الأداء أن موجة الذكاء الاصطناعي لم تعد تقتصر على شركات البنية التحتية التقنية فقط، بل تمتد آثارها إلى شركات الألعاب والإلكترونيات الاستهلاكية وسلاسل التصنيع المرتبطة بها. ومع أن الرقائق كانت محركاً أساسياً لمكاسب السوق، فإن أي ارتفاع مفرط في تكلفتها قد يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم المستفيدين والمتضررين داخل الاقتصاد الرقمي.
كما أظهرت الجلسة أن الأسواق باتت تميز بين شركات تصنيع المعدات، وشركات الذاكرة، والشركات التي تعتمد على هذه المكونات في منتجاتها النهائية، وهو تفصيل مهم لفهم التحركات اليومية في بورصات التكنولوجيا الآسيوية.
الطاقة تتراجع وسط غياب أثر المخاطر الجيوسياسية
لم تؤثر التوترات الجيوسياسية في اتجاه السوق اليابانية كما كان متوقعاً، إذ قال ياسودا إن هشاشة اتفاق السلام المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران لم تصبح عاملاً مؤثراً في التداولات. وبدلاً من أن تتلقى أسهم الطاقة دعماً من هذا النوع من المخاطر، تراجعت يوم الاثنين.
وخسر قطاع التعدين 1.83 في المائة، بينما انخفضت أسهم تكرير النفط 1.07 في المائة. ويشير هذا الأداء إلى أن السوق ركزت أكثر على حركة التكنولوجيا والرقائق، في حين بقيت القطاعات المرتبطة بالطاقة تحت ضغط محدود مع غياب محفزات قوية للشراء.
ومن بين أكثر من 1500 سهم متداول في السوق الرئيسية لبورصة طوكيو، ارتفعت 69 في المائة من الأسهم، وتراجعت 26 في المائة، فيما استقر نحو 2 في المائة. وتعد هذه النسبة مؤشراً على اتساع نطاق التعافي في جلسة اتسمت في بدايتها بالقلق لكنها انتهت بميول إيجابية.
عوائد السندات اليابانية ترتفع مع تجدد المخاوف من التضخم
في سوق السندات، ارتفعت العوائد الحكومية اليابانية يوم الاثنين مع تصاعد المخاوف من التضخم، وسط تقارير محلية أفادت بأن الحكومة قد تضغط على بنك اليابان لمواءمة قراراته مع أجندة اقتصادية داعمة للنمو. وأثار ذلك تساؤلات جديدة حول توقيت تشديد السياسة النقدية ومستوى استقلالية القرار المصرفي في المرحلة المقبلة.
وصعد العائد على السندات الحكومية اليابانية القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 5 نقاط أساس إلى 2.645 في المائة، بينما ارتفع العائد على سندات أجل 20 عاماً بمقدار 5.5 نقطة أساس إلى 3.565 في المائة، وعلى سندات أجل 30 عاماً بمقدار 6 نقاط أساس إلى 3.855 في المائة. وتتحرك العوائد عكسياً مع أسعار السندات، ما يعني أن الهبوط في الأسعار كان متزامناً مع زيادة القلق بشأن التضخم ومسار الفائدة.
وبحسب وكالة كيودو، من المنتظر أن تتناول الحكومة اليابانية في إطارها الأساسي للسياسات الاقتصادية والمالية الشهر المقبل أهمية «السياسة النقدية الملائمة»، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لكبح اندفاع بنك اليابان نحو مزيد من الرفع في أسعار الفائدة. وقال يوكي كيمورا، استراتيجي السندات في شركة أوكاسان للأوراق المالية، إن هذه الإشارات أثارت مخاوف من تأخر البنك المركزي في التحرك بالسرعة الكافية لمواجهة التضخم.
كما ذكرت تقارير أن الحكومة اليابانية تسعى إلى ترسيخ نمو اقتصادي حقيقي يتجاوز 1 في المائة سنوياً، مقارنة بمتوسط نمو حقيقي بلغ 0.4 في المائة خلال السنوات الخمس الماضية. ويعني ذلك أن السياسة المالية والاقتصادية المقبلة قد تبقى مركزة على دعم التوسع الاقتصادي، حتى لو زاد ذلك من صعوبة مهمة السياسة النقدية.
ما الذي تعنيه هذه التحركات للأسواق الرقمية في آسيا؟
تعكس جلسة الاثنين في طوكيو ملامح مهمة للاقتصاد الرقمي في آسيا: استمرار الاعتماد الكبير على الرقائق والذكاء الاصطناعي كمحركين رئيسيين للنمو، وفي الوقت نفسه ازدياد حساسية الأسواق تجاه أي تغيير في التقييمات أو تكاليف الإنتاج أو توقعات الفائدة. فكلما توسعت الاستثمارات في مصانع الرقائق والبنية التحتية المرتبطة بها، زادت فرص النمو للصناعات المرتبطة، لكن ذلك يأتي أيضاً مع مخاطر التقلب السريع عندما ترتفع الأسعار أو تتبدل توقعات المستثمرين.
وفي المدى القريب، سيبقى أداء الأسهم اليابانية مرتبطاً بمسار أسهم التكنولوجيا الأميركية، وبحجم الإنفاق الرأسمالي الآسيوي على أشباه الموصلات، إضافة إلى اتجاهات التضخم والسياسة النقدية داخل اليابان نفسها. أما بالنسبة للشركات التي تعتمد على مدخلات رقمية مكلفة، فإن أي تهدئة في أسعار الذاكرة قد تمثل متنفساً يساعدها على تحسين الهوامش خلال الفصول المقبلة.