07-Jul-2026 6 دقائق قراءة

تركيا تضغط لرفع تشغيل خط كركوك - جيهان قبل انتهاء اتفاق 1973

تجري بغداد وأنقرة مفاوضات مكثفة لإعادة صياغة اتفاق نقل النفط عبر خط كركوك - جيهان، فيما تسعى تركيا إلى رفع التشغيل إلى الطاقة القصوى قبل انتهاء مهلة 27 يوليو ورفض التمديد بالبند الحالي.

مفاوضات على وقع المهلة النهائية

تدخل بغداد وأنقرة مرحلة حاسمة من المفاوضات بشأن مستقبل خط أنابيب كركوك - جيهان، مع اقتراب انتهاء الاتفاقية التاريخية الموقعة عام 1973 في 27 يوليو. ويجري الطرفان محادثات متسارعة لصياغة إطار جديد ينظم نقل النفط العراقي عبر الأراضي التركية، في وقت ترفض فيه أنقرة الاكتفاء بتمديد البنود الحالية لعام إضافي.

وتأتي هذه التطورات في ظل رغبة تركية واضحة في تحويل الملف من مجرد تمديد تقني قصير الأجل إلى اتفاقية استراتيجية طويلة المدى، تمتد من 5 إلى 10 سنوات، وتضع قواعد أكثر صرامة لاستخدام الخط وتوزيع المخاطر المالية بين الجانبين.

أنقرة تطالب بتشغيل كامل للطاقة الاستيعابية

المطلب التركي الأساسي في هذه الجولة من التفاوض يتمثل في رفع معدلات الضخ عبر الخط إلى طاقته القصوى البالغة 1.5 مليون برميل يومياً، مقارنة بتدفقات حالية لا تتجاوز نحو 180 ألف برميل يومياً. وترى أنقرة أن بقاء البنية التحتية تحت مستوى تشغيل منخفض لا يحقق عائداً اقتصادياً يتناسب مع أهمية الخط ومكانته الإقليمية.

كما تسعى تركيا إلى إدراج بنود تلزم العراق بدفع رسوم تعويضية عن أي طاقة استيعابية غير مستخدمة، وهو ما يعكس تحول النقاش من مجرد نقل الخام إلى إدارة تجارية أكثر تشدداً تحاول حماية العائدات التركية وضمان الاستفادة الكاملة من الأصول القائمة.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الجانب التركي يربط أي تسوية جديدة بآلية تشغيل واضحة، تمنع تكرار حالة التعطل أو الاستخدام الجزئي التي رافقت الخط خلال السنوات الماضية.

خلفية التحكيم تعقد المشهد

الملف لا يُدار بمعزل عن أزمة التحكيم الدولي التي فُتحت في باريس، والتي أفضت في 2023 إلى إلزام تركيا بدفع تعويضات للعراق بقيمة 1.5 مليار دولار بسبب صادرات نفط حكومة إقليم كردستان عبر الخط من دون تفويض كافٍ خلال الفترة بين 2014 و2018. ومنذ ذلك القرار، أصبحت العلاقة التعاقدية بين البلدين أكثر حساسية، مع تبادل الطرفين التمسك بمواقف قانونية متعارضة.

وتؤكد أنقرة أنها لا ترى فائدة في تمديد اتفاقية خضعت أصلاً للتحكيم، كما تقول إن لديها بدورها مطالب مالية على العراق تبلغ نحو 1.4 مليار دولار. هذا التباين يحول المفاوضات الحالية إلى اختبار حقيقي لقدرة البلدين على بناء صيغة قانونية واقتصادية جديدة تتجاوز إرث النزاع السابق.

وتقول مصادر تركية إن الخط أصبح جاهزاً لاستئناف تدفقات منتظمة منذ أواخر 2023 بعد إصلاح بعض الأعطال، لكن الاستفادة الفعلية منه بقيت محدودة بسبب استمرار الخلافات التعاقدية والقانونية.

اجتماعات رفيعة المستوى في أنقرة

المباحثات الأخيرة في أنقرة شارك فيها وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار، إلى جانب وفد عراقي ضم نائب وزير الخارجية حسين بحر العلوم، ونائب وزير النفط ناصر عزيز جبار، وسفير العراق في أنقرة ماجد اللجماوي. وتركز الحوار على خط الأنابيب بوصفه الملف الأكثر إلحاحاً، إلى جانب فرص التعاون في الغاز الطبيعي والكهرباء.

وأفادت التصريحات التركية بأن النقاش لم يقتصر على استئناف الضخ، بل تناول أيضاً كيفية بناء شراكة أوسع في قطاع الطاقة، بما يشمل تحسين البنية التحتية القائمة وإضافة وصلات ربط جديدة يمكن أن تدعم التكامل الإقليمي بين البلدين.

وتحاول أنقرة، من خلال هذا المسار، ربط الملف النفطي ببرنامج تعاون اقتصادي أوسع يمنح الاتفاق القادم بعداً استراتيجياً، لا يقتصر على العائدات المباشرة بل يمتد إلى أمن الإمدادات والاستثمار في البنية التحتية.

طريق التنمية يدخل على خط الطاقة

في موازاة ذلك، تتعامل تركيا مع مشروع طريق التنمية باعتباره أكثر من مجرد ممر بري لنقل البضائع. فوفق الرؤية التركية، يمكن أن يتحول المشروع إلى ممر متكامل للطاقة يربط العراق بموانئ تركيا ويعزز حركة التجارة بين الخليج وأوروبا.

ويشمل المشروع طريقاً برياً وخط سكة حديد، ويمتد داخل العراق لمسافة تقارب 1200 كيلومتر. ومن شأن ربطه ببنية الطاقة أن يفتح الباب أمام تكامل لوجستي أوسع، خصوصاً إذا جرى توظيفه لدعم نقل الخام والغاز والكهرباء معاً.

هذا الربط بين النقل والطاقة يعكس محاولة تركية لإعادة تعريف موقع العراق كمركز عبور إقليمي، بدل الاكتفاء بعلاقة ثنائية محصورة في بيع النفط الخام عبر خط واحد.

تداعيات اقتصادية على بغداد وميناء جيهان

يحمل خط كركوك - جيهان أهمية كبيرة للعراق لأنه يوفر منفذاً تصديرياً أساسياً عبر ميناء جيهان على البحر المتوسط. وفي ظل الاعتماد على منافذ محدودة، تصبح أي تعثرات في هذا الخط ذات أثر مباشر على الإيرادات النفطية العراقية وقدرة بغداد على تنويع مسارات التصدير.

كما تكتسب القضية أهمية إضافية بسبب التوترات التي أثرت في انسيابية الصادرات العراقية عبر منافذ أخرى في فترات سابقة، ما يجعل الحفاظ على هذا المسار أو توسيعه مسألة استراتيجية تمس أمن الطاقة الوطني والمرونة التجارية للعراق.

وقد كبد توقف الخط في 2023 العراق خسائر اقتصادية كبيرة قُدرت بأكثر من 23 مليار دولار، وهو رقم يفسر إلحاح بغداد على تسوية تضمن استمرار التدفقات بلا انقطاع وتجنب تكرار شلل الصادرات.

سيناريوهات ما قبل 27 يوليو

تشير المعطيات المتاحة إلى ثلاثة مسارات محتملة: التوصل إلى اتفاق جديد طويل الأجل، أو منح مهلة إضافية لتفادي التوقف الكامل، أو الذهاب إلى وقف فوري للتدفقات إذا فشلت المفاوضات. وفي كل الحالات، يبقى القرار النهائي في الجانب التركي مرتبطاً بموقف الرئيس رجب طيب إردوغان.

وبينما تواصل بغداد السعي إلى تمديد مؤقت يضمن استمرارية الحوار، تصر أنقرة على أن أي صيغة قادمة يجب أن تعالج مسألة التشغيل الكامل والتعويضات وآليات الاستفادة من الطاقة الفائضة، حتى لا يتحول الخط إلى أصل غير مستغل بالشكل الذي تراه مناسباً.

وفي المدى القريب، ستحدد الأيام القليلة المقبلة ما إذا كان الخلاف سيقود إلى تسوية جديدة تعيد تنظيم أحد أهم شرايين النفط في المنطقة، أم إلى مرحلة جديدة من التعطيل القانوني والتجاري.