08-Jul-2026 5 دقائق قراءة

دي بي ورلد تبدأ أول استثمار رئيسي في تحديث ميناء طرطوس بثلاث رافعات متنقلة

بدأت مجموعة موانئ دبي العالمية تنفيذ أول استثمار رئيسي ضمن امتيازها الطويل الأمد في ميناء طرطوس، عبر وصول أول رافعة متنقلة تمهيداً لإضافة رافعتين أخريين ورفع كفاءة المناولة بنسبة متوقعة تبلغ 40%.

دخلت مجموعة موانئ دبي العالمية مرحلة جديدة من توسعها التشغيلي في سوريا مع وصول أول رافعة متنقلة إلى ميناء طرطوس، في خطوة تعد بداية تنفيذ استثمار رئيسي ضمن اتفاق الامتياز الموقع مع الحكومة السورية لمدة 30 عاماً. ويأتي هذا التطور ليضع الميناء على مسار تحديث أوسع يستهدف رفع كفاءته وتعزيز قدرته على خدمة التجارة الإقليمية.

ويمثل وصول الرافعة الأولى الإشارة العملية الأولى لبرنامج طويل الأمد يركز على تحويل ميناء طرطوس إلى منصة أكثر حداثة في مناولة البضائع، بما يواكب احتياجات الحركة التجارية المتنامية في المنطقة. وتوضح هذه الخطوة أن الخطة الاستثمارية انتقلت من مرحلة الترتيبات التعاقدية إلى مرحلة التنفيذ الميداني.

تحديث تدريجي للبنية التشغيلية

بحسب المعلومات المعلنة، وصلت الرافعة الأولى في 29 يونيو، بينما من المنتظر أن تصل الرافعتان الإضافيتان خلال أغسطس المقبل. وتبلغ الطاقة التشغيلية لكل رافعة نحو مليوني طن سنوياً، وهو ما يمنح الميناء دفعة ملموسة في قدرته على مناولة الشحنات وتحسين انسيابية العمل.

ومع بدء التشغيل الفعلي للرافعات الثلاث، يتوقع أن ترتفع الطاقة الاستيعابية للميناء بنسبة 40% تقريباً. ويعني ذلك قدرة أفضل على استقبال السفن الأكبر حجماً، وتقليل فترات الانتظار، وزيادة حجم الحاويات والشحنات السائبة التي يمكن التعامل معها خلال فترات زمنية أقصر.

هذه الزيادة لا تقتصر على تحسين الأداء التشغيلي داخل الميناء، بل تمتد إلى تأثير أوسع على سلاسل التوريد في سوريا، من خلال تسريع دوران البضائع وتخفيف الاختناقات اللوجستية وتسهيل عمليات الاستيراد والتصدير.

برنامج استثماري بقيمة 800 مليون دولار

الرافعات الجديدة ليست سوى جزء من برنامج استثماري أوسع تنفذه المجموعة وتبلغ قيمته الإجمالية 800 مليون دولار. ويشمل هذا البرنامج تطوير البنية التحتية القائمة، وتوريد معدات حديثة لمناولة الشحنات، واعتماد حلول رقمية لتحديث العمليات، إلى جانب تحسينات تشغيلية تهدف إلى رفع مستوى الاعتمادية والكفاءة.

وتظهر أهمية هذا البرنامج في كونه لا يركز على المعدات فقط، بل على إعادة تشكيل المنظومة التشغيلية للميناء بشكل متكامل. فالتطوير البنيوي والرقمنة وتحديث أساليب الإدارة تشكل معاً العناصر الأساسية لأي ميناء يسعى إلى المنافسة في بيئة تجارة عالمية تتطلب سرعة ومرونة أعلى.

كما يسعى المشروع إلى دعم موقع ميناء طرطوس كبوابة تنافسية للتجارة الإقليمية والدولية، مستفيداً من موقعه الجغرافي الحيوي على البحر الأبيض المتوسط، ومن قدرته المحتملة على خدمة أسواق تمتد بين جنوب أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

تأهيل الكوادر المحلية ضمن الخطة

إلى جانب إدخال المعدات الجديدة، يتضمن البرنامج الاستثماري دورات تدريبية مكثفة للموظفين المحليين بهدف رفع مهاراتهم الفنية والتشغيلية. ويعكس هذا الجانب إدراكاً لأهمية العنصر البشري في نجاح أي عملية تحديث، إذ لا يكفي توفر المعدات الحديثة من دون كوادر قادرة على تشغيلها وإدارتها بكفاءة.

ومن شأن التدريب المنهجي أن يرسخ معايير أفضل للتميز التشغيلي داخل الميناء، وأن يفتح في الوقت نفسه فرصاً أكثر استدامة للتوظيف والتطوير المهني. كما يمكن أن يسهم في بناء قاعدة خبرات محلية قادرة على مواكبة التحول التكنولوجي في قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية.

أهمية اقتصادية تتجاوز الميناء نفسه

يكتسب ميناء طرطوس وزناً استراتيجياً واضحاً بفضل موقعه على الساحل السوري المطل على المتوسط، ما يجعله نقطة وصل طبيعية لحركة التجارة بين عدة أسواق. ومع تحسين قدراته التشغيلية، يمكن للميناء أن يلعب دوراً أكبر في خفض تكاليف النقل وتسريع تدفق البضائع وتعزيز تنافسية المسارات التجارية المرتبطة به.

ويأتي هذا التطور في وقت تحتاج فيه البنية اللوجستية في سوريا إلى دعم واضح يواكب متطلبات التعافي الاقتصادي. فالموانئ عادة ما تشكل نقطة البداية لسلاسل إمداد أكثر كفاءة، وأي تحسن في أدائها ينعكس مباشرة على القطاعات التجارية والصناعية والخدمية المرتبطة بها.

كما أن توسيع الطاقة الاستيعابية لميناء طرطوس قد يساعد على جذب أنماط جديدة من النشاط التجاري، خصوصاً إذا ترافق مع تحسينات مستمرة في الإجراءات والأنظمة الرقمية والربط مع شبكات النقل الأخرى. وفي هذا السياق، لا تبدو الرافعات الجديدة مجرد إضافة تقنية، بل جزءاً من إعادة تموضع الميناء في خريطة التجارة الإقليمية.

مؤشرات على مرحلة تشغيلية جديدة

الخطوة الأخيرة توحي بأن خطة دي بي ورلد في طرطوس تتجه نحو تنفيذ تدريجي محسوب، يبدأ بالمعدات الأساسية ثم يتوسع إلى البنية الرقمية والتشغيلية والموارد البشرية. هذا النمط من الاستثمار عادة ما يمنح المشاريع الكبرى فرصة أفضل لتحقيق نتائج مستدامة، خصوصاً عندما تكون مرتبطة بموقع لوجستي حساس ومتعدد الاستخدامات.

وفي حال اكتمل وصول الرافعات الثلاث وبدأ تشغيلها وفق الجدول المتوقع، فإن ميناء طرطوس قد يدخل مرحلة جديدة من الأداء أكثر ملاءمة لحجم الطلب المتوقع على خدمات النقل البحري. كما قد ينعكس ذلك على قدرة الميناء على خدمة حركة البضائع الواردة والصادرة بكفاءة أعلى، بما يدعم التجارة المحلية والإقليمية على حد سواء.

وبين الاستثمار في المعدات، وتطوير الأنظمة، وتدريب الكوادر، تبدو الخطة الحالية أقرب إلى إعادة بناء تدريجية لميناء يسعى إلى استعادة موقعه كأحد المراكز البحرية المهمة في شرق المتوسط.