08-Jul-2026 5 دقائق قراءة

استقرار عوائد سندات اليورو مع تراجع توقعات تغيير سياسة المركزي الأوروبي

استقرت عوائد سندات منطقة اليورو مع انحسار رهانات المستثمرين على تغييرات قريبة في سياسة البنك المركزي الأوروبي، بينما تحولت الأنظار إلى فروق العوائد بين الآجال الطويلة والقصيرة وإلى التباينات داخل أسواق الدين الأوروبية.

استقرار واضح في أسواق الدين الأوروبية

شهدت عوائد السندات السيادية في منطقة اليورو حالة من الثبات خلال جلسة الاثنين، بعدما خفّت رهانات المستثمرين على حدوث تغيير قريب وواسع في مسار السياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي. وترك هذا الهدوء النسبي في التوقعات المتعاملين يركزون أكثر على الفارق بين العوائد القصيرة والطويلة الأجل، إلى جانب الفروق بين أسواق المنطقة المختلفة.

في التداولات المبكرة، لامس العائد على السندات الألمانية لأجل عشر سنوات، وهو المرجع الأساسي في أسواق الديون الأوروبية، مستوى 2.93 في المائة، قبل أن يستقر لاحقاً عند 2.92 في المائة تقريباً. وجاء هذا التحرك المحدود بعد أسبوع سابق اتسم بارتفاع ملحوظ في العوائد، وسط تأثير مباشر للصعود الذي شهدته عوائد السندات الأميركية واليابانية، إضافة إلى إعادة تموضع المستثمرين تجاه آجال الاستحقاق الأطول.

ويشير هذا الأداء إلى أن السوق دخلت مرحلة من إعادة التوازن، حيث باتت العوامل المرتبطة بالتوقعات التضخمية والاقتراض الحكومي أكثر تأثيراً من الرهانات السريعة على قرارات الفائدة.

الاقتراض الألماني يضيف طبقة جديدة من الضغط

على الصعيد المالي، كان من المقرر أن يقر مجلس الوزراء الألماني المسودة الأولى لموازنة 2027، والتي تتضمن اقتراضاً إجمالياً يصل إلى 203.6 مليار يورو، مقارنة بـ196.5 مليار يورو في تقدير سابق أُعلن في أبريل. ورغم أن هذه الزيادة تعكس حاجة أكبر إلى التمويل، فإنها لم تدفع العائد الألماني طويل الأجل إلى اختراق مستويات أعلى بشكل واضح خلال الجلسة نفسها.

ولا تزال العوائد الألمانية لأجل عشر سنوات أقل بكثير من ذروتها المسجلة في منتصف مايو عند 3.2 في المائة، عندما أثارت التطورات الجيوسياسية المتعلقة بإغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط مخاوف من سيناريو ركود تضخمي في أوروبا، وهو وضع يجمع بين تباطؤ النمو وارتفاع الأسعار. وقتها، ارتفع تسعير المخاطر لدى المستثمرين، وجرى التعامل مع احتمال تشديد السياسة النقدية بدرجة أكبر رغم ضعف النشاط الاقتصادي.

توقعات الفائدة تتجه إلى الاستقرار

في الوقت الراهن، ترى الأسواق أن البنك المركزي الأوروبي قد ينفذ خفضاً واحداً إضافياً للفائدة بمقدار 25 نقطة أساس قبل نهاية العام، بعد الخفض الذي أقره في الشهر الماضي. لكن فرص خفض ثانٍ إضافي تبدو محدودة أكثر، خصوصاً بعد صدور بيانات تضخم جاءت أضعف من التوقعات الأسبوع الماضي.

هذا المشهد انعكس مباشرة على السندات القصيرة الأجل، حيث استقر العائد على السندات الألمانية لأجل عامين عند 2.53 في المائة تقريباً، دون تغير يُذكر خلال نحو عشرة أيام. ومع تراجع الزخم الناتج عن الرهانات الخاصة بأسعار الفائدة، يبدو أن المستثمرين أصبحوا أقل قدرة على تحقيق مكاسب سريعة من التحرك بين توقعات التشديد والتيسير.

وفي مذكرة حديثة، أشار محللون لدى «غولدمان ساكس» إلى أن انخفاض توقعات التضخم في أوروبا يساعد على إبقاء العوائد الأساسية القصيرة الأجل ضمن نطاق ضيق. كما رجحوا أن يؤدي هدوء تقلبات سوق السندات إلى دفع المستثمرين نحو آجال أطول أو نحو أسواق أخرى داخل المنطقة بحثاً عن فرص أفضل للعائد.

وبلغ الفارق بين العائدين الألمانيين لأجل عامين وعشرة أعوام أعلى مستوى له في شهر خلال الأسبوع الماضي عند 40 نقطة أساس، ما يعكس اتساع شهية المستثمرين لآجال أطول في ظل استقرار التوقعات الأساسية.

فرنسا تعود إلى واجهة القلق في أسواق السندات

تحركت عوائد سندات الدول الأخرى في منطقة اليورو بما يتماشى إلى حد كبير مع المسار الألماني. فقد استقر العائد على السندات الإيطالية لأجل عشر سنوات عند 3.71 في المائة، بينما ثبت العائد الفرنسي عند 3.72 في المائة، رغم أن السندات الفرنسية أظهرت أداء أضعف في الفترة الأخيرة مقارنة بنظيراتها الإقليمية.

الأكثر لفتاً للانتباه كان اتساع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية إلى نحو 80 نقطة أساس، وهو أعلى مستوى منذ نوفمبر الماضي. كما صعدت العوائد الفرنسية مجدداً فوق العوائد الإيطالية، في إشارة إلى استمرار حذر المستثمرين تجاه العوامل المحلية في فرنسا، وعلى رأسها الجمود السياسي وارتفاع الدين العام.

ويرى محللون لدى «نومورا» أن السندات الفرنسية قد تبقى تحت ضغط نسبي أكبر من أسواق ديون أوروبية أخرى، مرجحين أن تتجاوز عوائدها في فترة لاحقة نظيراتها الإيطالية والإسبانية إذا استمر القلق بشأن المسار السياسي والمالي.

وتتجه الأنظار إلى الاستحقاق الرئاسي الفرنسي في العام المقبل، في وقت تستعد فيه محكمة الاستئناف الفرنسية لإصدار قرار متعلق بأهلية زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان للترشح. ورغم أن المشهد الانتخابي لا يزال على مسافة، فإن الأسواق تتعامل معه بالفعل بوصفه عاملاً مؤثراً في تسعير المخاطر، خصوصاً إذا أفضى أي تغيير في القيادة إلى انتخابات تشريعية مبكرة أو إلى برلمان أكثر تشرذماً.

ويخشى المستثمرون أن يؤدي استمرار الانقسام السياسي إلى إبطاء الإصلاحات المطلوبة لدعم النمو وتقليص العجز المالي، وهو ما قد يبقي فرنسا تحت ضغط أعلى في أسواق الدين مقارنة ببقية الاقتصادات الكبرى في المنطقة.

أسواق السندات الأوروبية بين التضخم والدين والسياسة

تعكس التطورات الأخيرة في سوق السندات الأوروبية تداخل ثلاثة عوامل رئيسية: تباطؤ التضخم، وتزايد الاحتياجات التمويلية للحكومات، واستمرار المخاطر السياسية في بعض الاقتصادات الكبرى. وفي مثل هذا السياق، لا تتحرك العوائد فقط استجابة لقرارات البنوك المركزية، بل أيضاً وفقاً لتوقعات المستثمرين بشأن الاستدامة المالية والنمو والاصطفاف السياسي.

ومن المرجح أن يظل مسار العوائد في منطقة اليورو حساساً لأي بيانات جديدة تخص التضخم أو الاقتراض العام أو الرسائل الصادرة عن البنك المركزي الأوروبي. وفي الوقت نفسه، سيبقى الفرق بين السندات الألمانية والفرنسية مؤشراً مهماً على درجة القلق في السوق من هشاشة المشهد السياسي والمالي داخل منطقة اليورو.

ومع دخول الأسواق مرحلة أقل تقلباً في توقعات الفائدة، يبدو أن المستثمرين سيمنحون وزناً أكبر للتفاصيل المتعلقة بآجال السندات وبالتباين بين الدول، بدلاً من الاكتفاء بتتبع قرار البنك المركزي الأوروبي فقط. وهذا التحول قد يعيد تشكيل تدفقات الاستثمار في الديون السيادية الأوروبية خلال الأشهر المقبلة.