تباين في جلسة مدفوعة بعوامل النفط والجغرافيا السياسية
سجلت أسواق الأسهم الخليجية أداءً متباينًا في بداية تعاملات الثلاثاء، في وقت يراقب فيه المستثمرون عن كثب موسم إعلانات نتائج الشركات للربع الثاني، بينما تضغط حركة أسعار النفط والتوترات المتجددة بين الولايات المتحدة وإيران على شهية المخاطرة في المنطقة.
ويعكس هذا التباين حساسية الأسواق الخليجية، التي ترتبط عادةً بأكثر من عامل في وقت واحد؛ من اتجاهات أسعار الخام إلى أي تطورات أمنية في الممرات البحرية الحيوية، إضافة إلى التوقعات المرتبطة بأرباح الشركات القيادية ومدى قدرتها على دعم المؤشرات المحلية.
وجاءت التحركات الصباحية في وقت عادت فيه المخاوف من احتمالات اضطراب الشحن في الخليج، ما يضيف طبقة جديدة من الحذر إلى قرارات المتعاملين، خصوصًا في قطاعات الطاقة والمصارف والمواد الأساسية.
السعودية تحت ضغط هبوط معادن ودعم محدود من أرامكو
في السوق السعودية، تراجع المؤشر الرئيسي بنسبة 0.2 في المائة في التعاملات المبكرة، متأثرًا بانخفاض سهم «معادن» بنسبة 1.7 في المائة، وهو ما ضغط على حركة المؤشر في ظل الترقب المستمر لنتائج الأعمال الفصلية.
وفي المقابل، حقق سهم «أرامكو السعودية» ارتفاعًا طفيفًا بلغ 0.2 في المائة، في تحرك يعكس توازنًا محدودًا بين عوامل الضغط المرتبطة بالنفط وبين ثقة المستثمرين في أداء الشركة الأكبر في السوق من حيث الوزن والتأثير.
وجاء ذلك بعد أن خفضت السعودية أسعار البيع الرسمية لشحنات أغسطس من خام «العربي الخفيف» الموجهة إلى الأسواق الآسيوية بمقدار 1.1 دولار للبرميل، ليصبح السعر بخصم 1.50 دولار للبرميل عن متوسط خامي عمان ودبي. كما شمل الخفض أربعة أنواع أخرى من الخام، في خطوة تشير إلى احتدام المنافسة بين الموردين في آسيا.
ويرى متعاملون أن هذه التخفيضات تعكس ضغوطًا متصاعدة على المنتجين الخليجيين، في ظل وفرة الإمدادات واستمرار الإعفاء الأميركي لصادرات النفط الإيرانية، وهو ما يزيد المنافسة على الحصص السوقية في الأسواق الرئيسية.
التوتر في الخليج يبقي مخاطر النقل البحري حاضرة
إلى جانب الاعتبارات السعرية، تبقى المخاوف الأمنية عاملًا مؤثرًا في تسعير المخاطر لدى المستثمرين وشركات الشحن. فقد أفادت تقارير بأن الحرس الثوري الإيراني أطلق صاروخين على الأقل باتجاه سفن تجارية عبرت مضيق هرمز ليل الاثنين، ما تسبب بأضرار مادية دون تسجيل إصابات بشرية.
كما صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب لهجته عندما قال إن الولايات المتحدة ستتوصل إلى اتفاق مع إيران أو «ستكمل المهمة»، في إشارة إلى احتمال التصعيد العسكري، ما أعاد إلى الأسواق جزءًا من القلق المرتبط باستقرار الممرات الملاحية وحرية تدفق الطاقة.
وفي سوق النفط، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت 1.2 في المائة إلى 72.84 دولار للبرميل، بعد أن أنهت الجلسة السابقة قرب المستويات التي كانت سائدة قبل اندلاع الحرب بين إيران والولايات المتحدة، في إشارة إلى أن السوق ما زالت تتفاعل بسرعة مع أي تحسن أو تدهور في المشهد الجيوسياسي.
ويؤكد محللون أن استمرار هشاشة الهدنة بين واشنطن وطهران يبقي سيناريوهات المخاطر البحرية قائمة، وهو ما قد يحد من اندفاع المشترين أو يدفعهم إلى إعادة تقييم خطط الإمداد، خصوصًا بالنسبة للشحنات التي تمر عبر الخليج ومضيق هرمز.
أداء إيجابي محدود في أبوظبي ودبي مع دعم من دو
في الإمارات، تحركت المؤشرات في نطاق محدود من الصعود، إذ ارتفع مؤشر سوق أبوظبي للأوراق المالية بنسبة 0.1 في المائة، بينما صعد مؤشر سوق دبي المالي بالنسبة نفسها. وجاء الدعم في دبي من ارتفاع سهم شركة «دو» بنسبة 1.4 في المائة.
وأعلنت «دو» إطلاق صندوق لرأس المال الجريء بقيمة 50 مليون دولار للاستثمار في الشركات الناشئة والتقنيات الحديثة، مع تركيز واضح على الشركات الإماراتية. ويعكس هذا التوجه اتساع اهتمام الشركات المدرجة في المنطقة بفرص الابتكار والتمويل المبكر، خصوصًا مع سعي المؤسسات الكبرى إلى بناء حضور في الاقتصاد الرقمي والقطاعات عالية النمو.
ورغم أن أثر الإعلان على المؤشرات كان محدودًا من حيث النسبة، فإنه يبرز كيف يمكن لمبادرات الاستثمار التكنولوجي أن تمنح بعض الزخم للأسهم المرتبطة بالاتصالات والخدمات الرقمية، حتى في بيئة تتسم بالحذر العام.
قطر تتحرك بضغط بنكي وبحث عن شحنة وقود طائرات
في قطر، تراجع المؤشر الرئيسي بنسبة 0.4 في المائة، متأثرًا بانخفاض سهم «بنك قطر الإسلامي» بنسبة 1 في المائة. ويأتي هذا الأداء ضمن مشهد أكثر توازنًا لكنه لا يخلو من التذبذب، مع استمرار المتعاملين في تقييم نتائج الشركات والطلب الإقليمي على المنتجات البترولية المكررة.
كما أظهرت وثيقة اطلعت عليها «رويترز» أن «قطر للطاقة» تسعى إلى شراء أول شحنة من وقود الطائرات منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإيرانية، على أن يتم التسليم خلال أغسطس. وتريد الشركة التعاقد على 320 ألف برميل من وقود الطائرات للتسليم بين 4 و5 أغسطس، على أن يغلق باب تقديم العطاءات في 7 يوليو.
وتشير هذه الخطوة إلى استمرار نشاط التوريد في سوق المشتقات النفطية رغم الاضطرابات الجيوسياسية، كما تعكس أن شركات الطاقة الإقليمية تتابع بحذر الإمدادات والطلب في الوقت نفسه، خصوصًا عندما تتصل المعادلة بتكاليف الشحن وتوقعات النقل الجوي الإقليمي.
الأسواق توازن بين نتائج الشركات وإشارات الاقتصاد الكلي
يتزامن أداء البورصات الخليجية مع سلسلة من الإشارات المتشابكة في الأسواق العالمية. فضعف الدولار بعد تقرير الوظائف الأميركية الأخير، وتذبذب توقعات الفائدة، وتحركات أسعار النفط، كلها عوامل تخلق بيئة تداول أكثر تعقيدًا للمستثمرين في المنطقة.
وفي هذا السياق، تبدو نتائج الشركات للربع الثاني عنصرًا حاسمًا في تحديد اتجاه السوق خلال الأيام المقبلة. فالأرباح القوية قد توفر دعمًا جزئيًا للمؤشرات، بينما قد يؤدي أي خيبة في النتائج إلى زيادة الضغط على الأسهم المرتبطة بالدورات الاقتصادية والسلع الأساسية.
كما أن الأسواق الخليجية تظل شديدة الحساسية لأي تغير في أسعار الخام، ليس فقط بسبب ارتباط عدد كبير من الشركات بالقطاع النفطي، بل أيضًا لأن النفط يبقى مؤشرًا أساسيًا على السيولة والتوازنات المالية العامة في دول المنطقة.
وبينما حافظت بعض الأسواق على مكاسب محدودة، يعكس التباين الحالي حالة انتظار أكثر من كونه اتجاهًا واضحًا، إذ يترقب المستثمرون اتضاح صورة الأرباح الفصلية ومستوى المخاطر الجيوسياسية معًا قبل إعادة بناء مراكزهم الاستثمارية.
وفي المحصلة، تبدو الجلسة الخليجية مرآة لمشهد اقتصادي أوسع: ضغوط من النفط، حذر من التوترات الأمنية، وترقب شديد للنتائج المالية، مع بقاء قطاعي الطاقة والخدمات المالية في صدارة القطاعات الأكثر تأثيرًا على حركة المؤشرات.