جلسة متقلبة في الأسواق الأميركية
أغلقت الأسهم الأميركية جلسة الخميس على أداء متباين، بعدما دفعت موجة شراء في أسهم التكنولوجيا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي المؤشرات إلى التحرك في اتجاه صاعد خلال التداولات المبكرة، قبل أن تتبدد تلك المكاسب تحت وطأة ضغوط واضحة على سهم أبل. وأدى هذا التباين إلى فقدان جزء من الزخم الذي ساد بداية الجلسة، ليبقى المستثمرون بين التفاؤل المستمر تجاه الذكاء الاصطناعي والحذر من المبالغات السعرية في بعض الأسهم القيادية.
وتراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.3 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنحو 0.8 في المائة في وقت سابق من الجلسة، بينما صعد مؤشر داو جونز الصناعي 228 نقطة أو 0.4 في المائة. وفي المقابل، هبط ناسداك المركب 1.2 في المائة، متأثراً بصورة أساسية بضعف أسهم التكنولوجيا الكبرى.
مايكرون تقود الصعود في قطاع الرقائق
برزت مايكرون تكنولوجي كأحد أهم محركات السوق، بعدما قفز سهمها 9.7 في المائة عقب إعلان نتائج فصلية تجاوزت توقعات المحللين على مستوى الأرباح والإيرادات، إلى جانب توجيهات إيجابية للربع الحالي. واعتبر المستثمرون أن الأداء القوي للشركة خفف المخاوف من أن يكون السهم قد ابتعد كثيراً عن أسسه المالية، خاصة بعد ارتفاعه بنحو 267 في المائة منذ بداية العام.
كما أظهرت الحركة في السهم أن الطلب المرتبط بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي ما زال يمنح شركات أشباه الموصلات دعماً مباشراً، في وقت تظل فيه التقييمات العالية عاملاً يفرض على السوق أي إشارات سلبية من النتائج أو التوقعات.
وبعد هذه القفزة، تجاوزت القيمة السوقية لمايكرون قيمة ميتا بلاتفورمز، ولامست لفترة وجيزة مستوى تسلا، في مؤشر يعكس التحول السريع في موازين القوة بين شركات التكنولوجيا الكبرى، مع انتقال جزء من اهتمام المستثمرين إلى الشركات التي توفر المكونات الأساسية لتوسيع قدرات الذكاء الاصطناعي.
كوالكوم تراهن على نمو طويل الأجل
استفادت كوالكوم أيضاً من موجة التفاؤل، بعدما قالت إن تسارع الطلب على تقنيات الذكاء الاصطناعي سيدعم خطط نموها على المدى الطويل. وأشارت الشركة إلى أنها تتوقع وصول إيراداتها من الأنشطة غير المرتبطة بالهواتف المحمولة، بما في ذلك مراكز البيانات، إلى 40 مليار دولار بحلول عام 2029. وارتفع سهم الشركة 3.1 في المائة بعد هذه التقديرات.
ويعكس هذا التوقع اتجاهاً أوسع في القطاع، حيث تبحث شركات الشرائح الإلكترونية عن مصادر دخل جديدة خارج سوق الهواتف الذكية التقليدي، مع تسابق مزودي الخدمات السحابية وشركات الذكاء الاصطناعي على بناء مراكز بيانات أكبر وأكثر كفاءة.
أبل تحت الضغط بعد رفع الأسعار
في الجهة المقابلة، تعرض سهم أبل لضغوط ملحوظة بعدما أفادت تقارير بأن الشركة رفعت أسعار عدد من منتجاتها، بما في ذلك أجهزة ماك، بزيادات تراوحت بين 15 في المائة و20 في المائة وفق تقديرات محللين. وأرجع المتابعون تلك الخطوة إلى ارتفاع تكاليف المكونات، ما أثار رد فعل سلبي في السوق على المدى القصير.
وانخفض سهم أبل 4.8 في المائة، وهو ما شكّل أحد أبرز أسباب تراجع المؤشرات التكنولوجية في نهاية الجلسة. ويأتي هذا الهبوط في وقت يراقب فيه المستثمرون عن كثب مدى قدرة الشركات العملاقة على تمرير التكاليف إلى المستهلكين من دون التأثير في الطلب.
السندات والتضخم يخففان بعض الضغوط
تلقت الأسهم دعماً جزئياً من تراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية، بعدما أظهرت بيانات التضخم توافقاً مع توقعات السوق. وانخفض عائد السندات لأجل عشر سنوات إلى 4.36 في المائة من 4.41 في المائة، وهو ما خفف الضغط على الأصول ذات التقييمات المرتفعة، لا سيما أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
كما ساعد تراجع أسعار النفط في تهدئة المخاوف التضخمية. وانخفض خام برنت 0.1 في المائة إلى 73.81 دولار للبرميل، بعد أن ابتعد عن المستويات المرتفعة التي بلغها خلال موجات التوتر الجيوسياسي السابقة. وارتبط هذا التراجع بمناخ أقل توتراً في أسواق الطاقة، وهو ما ينعكس عادة على توقعات أسعار الفائدة والإنفاق الاستهلاكي.
وأظهرت البيانات أن معدل التضخم بلغ 4.1 في المائة خلال مايو، مقارنة بـ3.8 في المائة في أبريل، بما يتماشى مع تقديرات المتعاملين. ورغم أن القراءة لا تشير إلى تباطؤ حاد، فإن توافقها مع التوقعات خفف من احتمالات صدمة مفاجئة للأسواق المالية.
الأسواق العالمية تتحرك في اتجاهات مختلفة
لم تكن الأسواق الأميركية وحدها في واجهة المشهد، إذ سجلت بورصات آسيوية وأوروبية تحركات لافتة. فقد قفز مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي 5.4 في المائة، مدعوماً بمكاسب قوية في قطاع أشباه الموصلات، وعلى رأسها ارتفاع سهم إس كيه هاينكس 13.1 في المائة. وفي اليابان، صعد مؤشر نيكي 4.6 في المائة، بينما ارتفع فوتسي 100 البريطاني 0.6 في المائة.
في المقابل، تراجع مؤشر هانغ سنغ في هونغ كونغ 1.4 في المائة، ما يعكس استمرار التباين بين الأسواق التي تستفيد من دورة الرقائق والذكاء الاصطناعي، وتلك الأكثر تأثراً بضعف الطلب أو المخاطر الاقتصادية المحلية. ويظهر هذا التوزع أن موجة الاستثمار الحالية لا تتحرك بالصورة نفسها في كل الأسواق، بل تتركز في الشركات والقطاعات التي ترتبط مباشرة بالتحول التكنولوجي.
قراءة السوق: بين زخم الذكاء الاصطناعي ومخاوف التقييم
تؤكد تحركات الخميس أن أسواق الأسهم الأميركية ما زالت تتأرجح بين عاملين رئيسيين: الأول هو الحماس المتواصل تجاه الإنفاق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، والثاني هو القلق من أن تكون بعض الأسهم قد سبقت نتائجها الفعلية بفارق كبير. وبين هذين العاملين، تتحرك المؤشرات صعوداً وهبوطاً تبعاً لأي إعلان أرباح أو توقعات جديدة.
وتكشف البيانات الأخيرة أن الشركات التي تقدم منتجات أو مكونات ضرورية لتشغيل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ما زالت تحظى بقبول قوي من المستثمرين، بينما تواجه الشركات ذات الوزن الكبير في المؤشرات التقليدية تحدياً عندما ترتفع أسعار منتجاتها أو تتراجع هوامشها. وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن السوق ستبقى حساسة لأي إشارة تتعلق بالنمو أو التكاليف أو الطلب خلال الأشهر المقبلة.