موجة صعود في آسيا مع تحسن المعنويات العالمية
سجّلت الأسواق الآسيوية ارتفاعاً في جلسة الجمعة، مدفوعة بمكاسب وول ستريت في اليوم السابق وبعد أن لامس مؤشر داو جونز مستوى قياسياً جديداً. وجاء التحسن في المعنويات وسط تقييم المستثمرين لبيانات سوق العمل الأميركية التي جاءت أضعف من المتوقع، ما خفف المخاوف من تشديد نقدي سريع في الولايات المتحدة.
كما استفادت بعض أسهم التكنولوجيا والرقائق من عودة شهية المخاطرة جزئياً، في وقت واصلت فيه شركات أخرى مرتبطة بالمجال نفسه التعرض لضغوط بسبب مخاوف من ارتفاع تقييماتها إلى مستويات مبالغ فيها. وظهرت هذه التباينات بوضوح في أسواق آسيا، حيث تحركت المؤشرات الرئيسية بوتيرة متباينة لكن ضمن اتجاه عام صاعد.
كوريا الجنوبية تقود الارتداد
في سيول، استعاد مؤشر كوسبي جزءاً من خسائره بعد التراجع الحاد الذي سجله في الجلسة السابقة، إذ ارتفع بنحو 2.8 في المائة. وكان قطاع أشباه الموصلات من أبرز المستفيدين، مع صعود سهم سامسونغ إلكترونيكس بنحو 7 في المائة، وزيادة سهم إس كيه هاينكس بنسبة 4.9 في المائة.
ويعكس هذا الارتداد حساسية السوق الكورية تجاه تقلبات قطاع الرقائق العالمي، لا سيما مع ارتباط جزء كبير من أداء السوق المحلية بدورات الطلب على الشرائح الإلكترونية ومكونات الذكاء الاصطناعي. ورغم المكاسب القوية، بقي المستثمرون حذرين من استمرار الضغوط على التقييمات المرتفعة في هذا القطاع.
أداء متباين في اليابان والصين وهونغ كونغ
في طوكيو، ارتفع مؤشر نيكي 225، بينما واصل مؤشر توبكس تحقيق مكاسب متتالية للمرة الخامسة على التوالي، في أطول سلسلة صعود له منذ أكتوبر 2025. وساعدت البيانات الاقتصادية المحلية التي أظهرت تحسناً في نشاط قطاع الخدمات، إلى جانب تراجع الرهانات على رفع وشيك لأسعار الفائدة الأميركية، في دعم الأسهم اليابانية.
ورغم الصعود العام، بقي الأداء داخل السوق اليابانية غير موحد. فقد تراجع سهم طوكيو إلكترون، المتخصص في معدات أشباه الموصلات، بينما ارتفع سهم كيوكسيا المصنع لرقائق الذاكرة. وأظهرت هذه التحركات أن المستثمرين يميّزون أكثر بين الشركات ذات التقييمات المرتفعة وتلك التي ما زالت تستفيد من زخم الطلب على التخزين والرقائق.
وفي الصين وهونغ كونغ، سجّل هانغ سنغ وشنغهاي المركب ارتفاعات محدودة، فيما انخفض مؤشر تايكس التايواني. أما في أستراليا، فقد استفاد مؤشر ستاندرد آند بورز/أستراليا 200 من تحسن المزاج العام وارتفع بأكثر من 1 في المائة.
رهانات الفائدة الأميركية تغيّر اتجاه الأسواق
كان للبيانات الأميركية الأخيرة أثر مباشر على حركة الأسواق العالمية. فقد أضاف أصحاب العمل في الولايات المتحدة وظائف أقل من توقعات الاقتصاديين، وهو ما دفع المستثمرين إلى خفض رهاناتهم على رفع سريع للفائدة من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
هذا التحول في التوقعات دعم الأسهم عالمياً، لأنه يقلل من احتمال استمرار الضغط على الأصول الخطرة. فكلما تراجعت احتمالات التشديد النقدي، تحسن إقبال المستثمرين على الأسهم، خاصة في القطاعات الحساسة لتكاليف الاقتراض مثل التكنولوجيا والعقارات والشركات الدورية.
وفي المقابل، ما زالت الأسواق تراقب بدقة مسار التضخم وأسعار الطاقة. فارتفاع النفط خلال الفترة الماضية كان أحد العوامل التي غذّت المخاوف من بقاء الضغوط السعرية مرتفعة، لكن تراجع الخام من ذرواته الأخيرة خفف جزئياً من تلك المخاوف، وفتح الباب أمام سيناريو أقل تشدداً بشأن الفائدة.
العملات الرقمية تستفيد من عودة الشهية للمخاطرة
لم تقتصر آثار التحسن في المزاج الاستثماري على الأسهم التقليدية، بل امتدت أيضاً إلى الشركات المرتبطة بالعملات الرقمية. فقد دعم ارتفاع سعر بتكوين بنحو 2 في المائة أسهم منصات التداول والشركات المرتبطة بالأصول المشفرة، وفي مقدمتها روبن هود وكوين بيس غلوبال.
وتُظهر هذه الحركة أن العلاقة بين أسواق الأسهم والأصول الرقمية باتت أكثر وضوحاً في فترات الترقب النقدي. فعندما يخف الضغط على توقعات الفائدة، تتحسن شهية المستثمرين للمخاطرة، وتعود بعض الأموال إلى قطاعات أكثر تقلباً مثل العملات المشفرة والمنصات المرتبطة بها.
أسهم الرقائق تحت المجهر رغم الدعم العام
على الرغم من الأجواء الإيجابية نسبياً في الأسواق، بقيت أسهم الرقائق محور قلق للمستثمرين. فقد تراجع سهم ميكرون تكنولوجي بعد خسائر سابقة، وهبط سهم إنفيديا، كما انخفض سهم لام ريسيرش بشكل حاد. وتأتي هذه التراجعات في وقت تتصاعد فيه التساؤلات حول ما إذا كانت الطفرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد دفعت تقييمات بعض الشركات إلى مستويات تفوق مبرراتها التشغيلية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأن شركات الرقائق أصبحت من أكثر الأسهم تأثيراً في المؤشرات الأميركية، ولا سيما إنفيديا التي تبلغ قيمتها السوقية تريليونات الدولارات. لذلك فإن أي تراجع في هذا القطاع يمكن أن ينعكس سريعاً على مؤشرات كبرى مثل ستاندرد آند بورز 500 وناسداك المركب.
وفي المقابل، أظهرت أسهم بعض الشركات الأصغر في القطاع مرونة أفضل، مع استفادة بعض المنتجين من توقعات استمرار الطلب على الذاكرة ومعدات التصنيع خلال الأشهر المقبلة.
أسواق النفط والعملات تضيف مزيداً من الإشارات
ارتفعت أسعار النفط في بداية تعاملات الجمعة، مع صعود خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط، وهو ما أضاف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد الاستثماري. فالنفط الأعلى سعراً قد يضغط على التضخم، لكنه في الوقت نفسه يعكس قوة نسبية في الطلب العالمي أو مخاوف جيوسياسية قائمة.
أما في سوق العملات، فقد تراجع الدولار أمام الين الياباني واليورو، متأثراً بتعديل المستثمرين لتوقعاتهم بشأن مسار السياسة النقدية الأميركية. ويظل الين أحد أبرز المستفيدين النسبيين من أي ضعف في الدولار، رغم أن تحركاته تبقى عرضة لمخاطر التدخل الرسمي وتقلبات سوق السندات اليابانية.
وبالنسبة للمستثمرين، فإن الصورة العامة تعكس انتقال الأسواق إلى مرحلة أكثر حساسية للبيانات الاقتصادية من أي وقت مضى. فمؤشرات التوظيف والتضخم وأسعار النفط وتوقعات الأرباح في قطاع التكنولوجيا أصبحت جميعها عناصر متداخلة في تحديد اتجاه الأسهم والعملات والأصول البديلة.
قراءة أوسع لاتجاه السوق
تشير الحركة الأخيرة إلى أن الأسواق العالمية لا تتحرك وفق عامل واحد، بل وفق توازن معقد بين الفائدة والتضخم والنمو والإنفاق على الذكاء الاصطناعي. وبينما تدعم البيانات الأميركية الأضعف من المتوقع الأسهم حالياً، فإن أي مفاجأة في التضخم أو في لهجة الاحتياطي الفيدرالي قد تعيد التوتر سريعاً.
أما في آسيا، فقد كشف الأداء المتقلب عن سوق ما زالت تترجم الأخبار الأميركية بسرعة، سواء في اتجاهات التكنولوجيا أو العملات أو السندات. وفي هذا السياق، تبدو جلسة الجمعة أقرب إلى ارتداد منسق في أجواء حذرة، لا إلى بداية موجة صعود مستقرة.
وفي ظل استمرار حساسية المستثمرين تجاه قرارات البنوك المركزية وتطورات الذكاء الاصطناعي والنفط، يرجّح أن تبقى التقلبات مرتفعة، مع استمرار الفصل بين الشركات التي تستند أرباحها إلى أساسيات قوية وتلك التي تعيش على زخم التوقعات.