بعد مرور عشر سنوات على الاستفتاء الذي غيّر مسار علاقة بريطانيا بأوروبا، لا يزال الجدل الاقتصادي حول «بريكست» مفتوحاً على نتائج لم تكن مطابقة للوعود التي رُفعت خلال حملة الخروج. فبدلاً من الازدهار السريع واستعادة السيطرة الكاملة على الاقتصاد، برزت آثار أبطأ لكنها أعمق على النمو والاستثمار والتجارة وسوق العمل.
الانفصال الرسمي عن الاتحاد الأوروبي في نهاية عام 2020 أنهى مرحلة امتدت 47 عاماً داخل أكبر كتلة تجارية في العالم، لكنه فتح أيضاً مرحلة جديدة من التعقيد التنظيمي والاحتكاك التجاري. وعلى الرغم من توقيع لندن عدداً من الاتفاقيات التجارية المستقلة، فإن الحصيلة الإجمالية لا تزال محل انتقاد من اقتصاديين وشركات ومراقبين للسوق.
نمو أضعف واستثمار أقل
تظهر القراءة الاقتصادية لسنوات ما بعد الاستفتاء أن بريطانيا دخلت فترة طويلة من عدم اليقين، انعكست على قرارات الشركات وعلى شهية المستثمرين. ومع تشديد الإجراءات الجمركية والتنظيمية في التعامل مع أوروبا، أصبحت التجارة أكثر كلفة وأبطأ، وهو ما ضغط على القدرة التنافسية لكثير من القطاعات.
وتشير تقديرات بحثية حديثة إلى أن الاقتصاد البريطاني بات اليوم أصغر مما كان سيصبح عليه لو استمرت البلاد داخل الاتحاد الأوروبي. وتذهب هذه التقديرات إلى أن الانفصال خفّض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 6 و8 في المائة، بينما تراجعت الاستثمارات بنحو 12 إلى 13 في المائة، وانخفضت الإنتاجية بما بين 3 و4 في المائة.
هذه الأرقام تعكس، وفق اقتصاديين، تأثيراً هيكلياً لا يقتصر على سنة أو سنتين، بل يرتبط بتغيرات أعمق في موقع بريطانيا داخل سلاسل القيمة الأوروبية والعالمية. فخسارة الوصول السلس إلى السوق الموحدة لم تُترجم فقط إلى أعباء إجرائية، بل أثرت أيضاً في قرارات التوسع والتوظيف والتصنيع.
التجارة مع أوروبا أصبحت أكثر كلفة
قبل «بريكست»، كانت الشركات البريطانية تتعامل مع السوق الأوروبية باعتبارها امتداداً طبيعياً لعملياتها التجارية. أما اليوم، فتمر الصادرات والواردات ببيئة تنظيمية أكثر تعقيداً، ما يفرض وقتاً وتكلفة إضافيين على المصنّعين والموزعين والمصدّرين.
ورغم أن بريطانيا احتفظت بعلاقات تجارية واسعة مع شركائها الأوروبيين، فإن القارة لا تزال تمثل حصة كبيرة من تجارتها الخارجية. وتؤكد أحدث البيانات الحكومية أن دول الاتحاد الأوروبي تستحوذ على 41 في المائة من الصادرات البريطانية، ونحو نصف الواردات. وهذا يعني أن أي احتكاك في العلاقة التجارية مع أوروبا يظل مؤثراً مباشرة في الأسعار والهوامش الربحية وسلاسل التوريد.
كما أن الرهان على بناء بدائل سريعة من خلال اتفاقيات جديدة مع اقتصادات كبرى لم يحقق حتى الآن الأثر نفسه الذي كانت توفره السوق الأوروبية الموحدة. فالوصول إلى أسواق جديدة لا يعوض بالضرورة سلاسة التعامل مع الجار الأوروبي الأقرب جغرافياً والأكثر ترابطاً مع الاقتصاد البريطاني.
قطاع السيارات بين المرونة والتكلفة
من بين القطاعات التي شعرت بوضوح بكلفة «بريكست» قطاع السيارات. فهذه الصناعة تعتمد على تدفق متواصل للمكونات بين مصانع متعددة في أوروبا، وهو ما جعل أي تأخير أو عبء جمركي ينعكس سريعاً على الكلفة والجدول الزمني للإنتاج.
الشركات العاملة في هذا المجال كانت من أوائل الجهات التي حذرت من أن التعقيدات الجديدة ستؤثر في قرارات الاستثمار. ومع مرور الوقت، أصبح من الصعب على بريطانيا أن تقدم نفسها بوصفها بوابة سهلة إلى السوق الأوروبية كما كان الحال سابقاً. ونتيجة ذلك، تراجع حماس بعض المستثمرين العالميين، بينما سعت الشركات القائمة إلى التكيف مع الواقع الجديد عبر تحمل تكاليف إضافية.
وتشير بيانات التجارة إلى استمرار اعتماد بريطانيا الكبير على أوروبا في هذا القطاع وغيره من القطاعات الصناعية، ما يجعل أي تباطؤ في العلاقات التجارية عامل ضغط مباشر على فرص النمو الصناعي.
سوق العمل تغيّر بعد نهاية حرية التنقل
أحد أبرز التحولات التي أعقبت الخروج من الاتحاد الأوروبي كان في سوق العمل. فمع انتهاء حرية التنقل، فقدت قطاعات عديدة في بريطانيا مصدرها التقليدي للعمالة القادمة من أوروبا، خصوصاً العمالة منخفضة التكلفة التي كانت تدعم المطاعم والفنادق والخدمات والبناء.
هذا التغير كان ملموساً في المدن الصغيرة والكبيرة على حد سواء، حيث واجهت شركات كثيرة صعوبة في العثور على موظفين بالسرعة نفسها التي كانت ممكنة قبل «بريكست». ومع تشديد قواعد التأشيرات، أصبح التوظيف عبر الحدود أكثر صعوبة، ما خلق فجوات في بعض المهن التي تعتمد على الأيدي العاملة الماهرة أو شبه الماهرة.
كما برزت حالة استياء داخل بعض القطاعات التي دعمت الخروج على أساس وعود بتسهيل استقدام عمالة بديلة من خارج أوروبا. لكن الواقع جاء أقل بساطة، إذ بقيت قواعد الهجرة الجديدة معقدة، ولم تُحل مشكلة نقص العمالة في عدد من الصناعات الخدمية.
محاولة سياسية لإعادة ضبط العلاقة
أمام هذه التحديات، بدأت الحكومة البريطانية الحالية البحث عن صيغة أكثر براغماتية لإدارة العلاقة مع الاتحاد الأوروبي. وتتمثل الفكرة الأساسية في تخفيف بعض الاحتكاكات الاقتصادية التي نشأت بعد الانفصال، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالتجارة والتنظيم وسوق العمل.
هذه المساعي تعكس اعترافاً ضمنياً بأن العلاقة مع أوروبا لا يمكن اختصارها في شعارات السيادة وحدها، بل تحتاج إلى ترتيبات عملية تحافظ على المصالح الاقتصادية البريطانية. وفي الوقت نفسه، تسعى الحكومة إلى تنشيط اقتصاد يواجه ضغوطاً متعددة، من ضعف النمو إلى ارتفاع الأعباء الضريبية وتباطؤ الإنتاجية.
لكن إعادة بناء الجسور ليست مهمة سهلة، لأن ملف «بريكست» ما زال يحمل بعداً سياسياً حساساً داخل بريطانيا. فبين من يرى أن الانفصال لم يُنفّذ كما ينبغي، ومن يعتقد أن المشكلة في التنفيذ لا في القرار نفسه، يظل التوافق على مسار واضح أمراً معقداً.
تراجع الثقة في الحصيلة النهائية
تشير استطلاعات الرأي الحديثة إلى أن الإحباط من نتائج «بريكست» في تصاعد. فعدد متزايد من البريطانيين يعتقد أن ما تحقق أقل بكثير من المتوقع، مقارنة بالتصورات التي سبقت الاستفتاء. وهذا التحول في المزاج العام مهم لأنه يعكس إعادة تقييم شعبية لقرار كان يُنظر إليه في السابق باعتباره تعبيراً عن الاستقلال والسيادة.
مع ذلك، لا يزال أنصار الخروج يتمسكون بأن القرار منح بريطانيا حرية أكبر في رسم سياساتها الاقتصادية والتنظيمية، وأن النتائج الإيجابية تحتاج إلى وقت أطول كي تظهر. غير أن الوقائع حتى الآن تشير إلى أن التكلفة كانت أسرع ظهوراً من أي مكاسب ملموسة.
وبينما تواصل لندن البحث عن توازن جديد بين الاستقلال التنظيمي والاندماج الاقتصادي، يبقى السؤال الأساسي اقتصادياً بالدرجة الأولى: هل تستطيع بريطانيا تعويض ما خسرته من قربها السابق من أوروبا عبر بدائل تجارية واستثمارية أكثر فاعلية؟ حتى الآن، لا تبدو الإجابة محسومة.