تراجع حاد في جلسة متقلبة
شهدت السوق المالية في كوريا الجنوبية جلسة مضطربة انتهت بخسائر قوية، بعدما هبط مؤشر «كوسبي» القياسي بأكثر من 2 في المائة تحت وطأة ضغوط واسعة على أسهم التكنولوجيا والرقائق. وجاء التراجع في وقت تزايدت فيه الشكوك حول وتيرة الإنفاق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب مخاوف من أن تؤدي بعض الأدوات الاستثمارية عالية المخاطر إلى زيادة هشاشة السوق.
وأغلق المؤشر منخفضاً 161.84 نقطة، بما يعادل 2.11 في المائة، ليستقر عند 7494.47 نقطة. وكانت الجلسة قد بدأت على هبوط حاد اقترب من 4 في المائة، قبل أن يقلص السوق جزءاً من خسائره ثم يعود مجدداً إلى المنطقة السلبية، في مشهد يعكس حجم التذبذب الذي يسيطر على التداولات الأخيرة.
وبهذا الأداء، واصل المؤشر التحرك ضمن نطاق واسع من التقلب، بعدما لامس أدنى مستوياته منذ أواخر مايو، وسط تداولات اتسمت بالحذر الشديد من جانب المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء.
الرقائق الإلكترونية في قلب الضغوط
السبب الأبرز وراء الهبوط كان استمرار الضغط على أسهم شركات أشباه الموصلات، وهي القطاع الأكثر تأثيراً على اتجاه السوق الكورية الجنوبية. وتزايدت حالة القلق بعد موجة بيع في أسهم شركات الرقائق الأميركية خلال الجلسة السابقة، ما انعكس سريعاً على المعنويات في سيول.
في الولايات المتحدة، هبطت أسهم «إنتل» و«مايكرون» و«إيه إم دي» بنسب ملحوظة، فيما تراجع مؤشر «فيلادلفيا لأشباه الموصلات» بصورة واضحة. وأعاد ذلك إلى الواجهة تساؤلات المستثمرين بشأن مدى استدامة الإنفاق الضخم على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، خصوصاً مع التقييمات المرتفعة لعدد من الشركات المرتبطة بهذا القطاع.
وفي السوق الكورية، انخفض سهم «سامسونغ إلكترونيكس» 3.55 في المائة، بينما تحرك سهم «إس كيه هاينكس» بين الخسارة والربح قبل أن يغلق مرتفعاً 1.23 في المائة بعد تقلبات حادة. كما تراجعت أسهم أخرى مرتبطة بالصناعة والمواد والطاقة، ما عمّق أثر الهبوط على المؤشر العام.
تحركات دفاعية من السلطات المالية
أمام هذا المشهد، تحركت السلطات الاقتصادية في سيول لاحتواء التوترات. وعقد وزير المالية اجتماعاً مع محافظ البنك المركزي ورؤساء الهيئات الرقابية المالية، حيث جرى الاتفاق على متابعة عوامل المخاطر التي قد تضخم موجات التقلب في سوق الأسهم.
وتركزت المناقشات على أثر عمليات جني الأرباح من المستثمرين الأجانب والمؤسسات، إضافة إلى إعادة موازنة المحافظ الاستثمارية وتبدل التوقعات بشأن قطاع الذكاء الاصطناعي. كما شددت وزارة المالية على أن تركز الاستثمارات في أسهم أشباه الموصلات بات عاملاً رئيسياً في رفع مستوى عدم الاستقرار، لأن حركة عدد محدود من الأسهم أصبحت تؤثر بشكل كبير على اتجاه السوق بأكمله.
هذا النوع من التركز القطاعي يجعل السوق أكثر عرضة للصدمات، إذ تؤدي أي إعادة تقييم في أسهم الرقائق إلى انعكاسات مباشرة على المؤشر الكلي، حتى لو كانت بقية القطاعات أكثر توازناً. ولذلك، ترى السلطات أن إدارة المخاطر لم تعد مسألة تخص المستثمرين فحسب، بل أصبحت جزءاً من الاستقرار المالي الأشمل.
صناديق الرافعة المالية تحت المجهر
من بين النقاط التي أثارت قلق الجهات الرقابية، الصناديق المتداولة في البورصة ذات الرافعة المالية المرتبطة بأسهم فردية، ولا سيما تلك التي تركز على شركات أشباه الموصلات. وأعلنت هيئة الرقابة المالية أنها ستتابع تأثير هذه المنتجات الجديدة عن قرب، مع احتمال مراجعة أساليب تسويقها إذا لزم الأمر.
وتخشى السلطات من أن تسهم هذه الصناديق في تضخيم التداولات أحادية الاتجاه، ما يعني زيادة الرهانات في اتجاه واحد على عدد محدود من الأسهم، وبالتالي رفع حدة التقلبات عند أي تغيير مفاجئ في المزاج الاستثماري. كما ترى أن انتشار هذه الأدوات قد يدفع بمزيد من السيولة نحو الشركات ذات الوزن الكبير أصلاً، وهو ما يعزز التركز بدلاً من توزيعه.
وكان بنك كوريا قد حذر مسبقاً من أن هذا النمط من الأدوات الاستثمارية قد يفاقم التذبذب ويعقّد مهمة الحفاظ على سوق أكثر اتزاناً، خصوصاً في فترات الحساسية المرتفعة تجاه أخبار الذكاء الاصطناعي والرقائق.
خسائر واسعة وتدفقات أجنبية خارجة
اتساع نطاق الهبوط ظهر بوضوح في بيانات التداول اليومية. فمن بين 911 سهماً جرى تداولها خلال الجلسة، ارتفع 173 سهماً فقط، مقابل تراجع 706 أسهم، ما يدل على أن الضغوط لم تقتصر على قطاع واحد رغم أن الرقائق كانت المحرك الأكبر.
وسجل المستثمرون الأجانب صافي مبيعات بلغ 471.7 مليار وون، أي نحو 311.7 مليون دولار، في إشارة إلى استمرار خروج السيولة من السوق أو إعادة تموضعها مع ارتفاع مستوى المخاطر. كما انخفضت أسهم عدة شركات كبرى، من بينها «إل جي إنرجي سوليوشن» و«هيونداي موتور» و«بوسكو هولدينغز» و«سامسونغ بيولوجيكس»، بينما ارتفع سهم «كيا» بشكل محدود.
وتعكس هذه التحركات أن السوق لم تكن تتعامل مع صدمة معزولة، بل مع موجة واسعة من إعادة التسعير شملت قطاعات السيارات والطاقة والصناعات الثقيلة إلى جانب التكنولوجيا.
أدوات الاستقرار لا تعني نهاية التقلب
في وقت سابق من الأسبوع، فعّل مؤشر «كوسبي» آلية الإيقاف المؤقت للتداول للمرة السادسة خلال العام، والثانية عشرة في تاريخه، بسبب التذبذبات الحادة في أسهم الرقائق، وعلى رأسها «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كيه هاينكس». وتُظهر هذه الآلية أن السوق دخلت مرحلة حساسة تتطلب استجابة سريعة عند ارتفاع التقلبات إلى مستويات غير اعتيادية.
ورغم أهمية الإجراءات الرقابية، فإنها لا تعني بالضرورة انتهاء الضغوط. فالعوامل المؤثرة ما زالت قائمة، بدءاً من التوقعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مروراً بإعادة تموضع المستثمرين الأجانب، وصولاً إلى الدور المتضخم لعدد محدود من الشركات في رسم اتجاه المؤشر العام.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو السوق الكورية الجنوبية أمام اختبار مزدوج: الحفاظ على جاذبية قطاع التكنولوجيا الذي يمثل ركيزة للنمو، وفي الوقت نفسه الحد من مخاطر التركز والتقلب التي قد تتحول سريعاً إلى اضطرابات أوسع إذا استمرت موجات البيع في أسهم الرقائق.