13-Jul-2026 5 دقائق قراءة

التضخم السعودي يستقر عند 1.8% في مايو وسط استمرار ضغط الإيجارات

حافظ معدل التضخم في السعودية على استقراره النسبي في مايو عند 1.8% على أساس سنوي، فيما بقيت الإيجارات العامل الأبرز في دفع الأسعار، بحسب البيانات الرسمية للهيئة العامة للإحصاء.

استقرار نسبي في قراءة مايو

أظهرت البيانات الرسمية أن معدل التضخم السنوي في السعودية واصل التحرك ضمن نطاق محدود خلال مايو، إذ بلغ 1.8 في المائة مقارنة بـ1.7 في المائة في أبريل. وتدل هذه القراءة على استمرار حالة الاستقرار النسبي في الأسعار، رغم بقاء بعض الضغوط القطاعية، وعلى رأسها قطاع السكن والإيجارات.

ويعكس هذا المسار قدرة الاقتصاد على امتصاص جانب مهم من الضغوط المرتبطة بتكاليف المعيشة، مع بقاء الارتفاعات الإجمالية في مستوى يمكن وصفه بالمعتدل مقارنة بالعديد من الأسواق العالمية التي تواجه تقلبات أكبر.

كما يأتي هذا الأداء في وقت تتوقع فيه الجهات الاقتصادية الرسمية والمؤسسات الدولية أن تبقى مستويات التضخم في السعودية قريبة من 2 في المائة خلال السنوات المقبلة، وهو نطاق يعد متوافقاً مع بيئة أسعار مستقرة نسبياً.

الإيجارات تتصدر محركات التضخم

كان العامل الأكثر تأثيراً في الزيادة السنوية لأسعار المستهلك هو قسم السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود، الذي ارتفع بنسبة 3.7 في المائة على أساس سنوي. وداخل هذا القسم، برزت الإيجارات الفعلية للسكن باعتبارها المحرك الأوضح، بعد أن سجلت زيادة سنوية بلغت 4.7 في المائة.

ويعني ذلك أن الضغوط التضخمية لم تتوزع بشكل متساوٍ على مختلف بنود سلة المستهلك، بل تركزت بشكل رئيسي في عنصر السكن، وهو عنصر يرتبط مباشرة بالطلب المتنامي على الوحدات السكنية في المدن الكبرى والمناطق ذات النشاط الاقتصادي المرتفع.

وفي المقابل، كانت قطاعات أخرى أقل تأثيراً في تحريك المؤشر العام، ما أبقى التضخم الكلي ضمن حدود منخفضة نسبياً على أساس سنوي.

قطاعات أخرى دعمت الارتفاع

إلى جانب السكن، أسهمت بعض البنود الأخرى في دعم الزيادة السنوية، وإن بدرجات أقل. فقد ارتفعت أسعار المطاعم وخدمات الإقامة بنسبة 1.7 في المائة، بينما سجلت أسعار النقل نمواً نسبته 1.5 في المائة.

كما ارتفع قسم العناية الشخصية والسلع والخدمات الأخرى بنسبة 5.6 في المائة، مدفوعاً بزيادة واضحة في أسعار المجوهرات والساعات التي صعدت بنحو 20 في المائة. وفي المقابل، حدّ انخفاض أسعار الأثاث والأجهزة المنزلية بنسبة 0.5 في المائة من وتيرة الصعود الكلية، ما ساعد على كبح جزء من الضغوط التضخمية.

وتوضح هذه التركيبة أن التضخم في السعودية خلال مايو لم يكن ناتجاً عن موجة ارتفاع واسعة، بل عن زيادات محددة في بنود بعينها، خصوصاً السكن وبعض الخدمات الاستهلاكية.

تحرك شهري محدود

على أساس شهري، سجل مؤشر أسعار المستهلك ارتفاعاً طفيفاً بلغ 0.2 في المائة في مايو مقارنة بأبريل. وتعد هذه الزيادة محدودة، وتنسجم مع صورة عامة توحي بأن السوق لا تزال تتحرك في نطاقات مستقرة نسبياً، رغم بعض الارتفاعات الجزئية في الخدمات والنقل.

وجاءت الزيادة الشهرية مدفوعة أساساً بارتفاع أسعار النقل بنسبة 0.6 في المائة، نتيجة صعود خدمات نقل الركاب بنسبة 1.9 في المائة. كما ارتفعت أسعار الأغذية والمشروبات بنسبة 0.1 في المائة، وصعدت أسعار السكن والمياه بنسبة 0.2 في المائة.

في المقابل، شهدت بعض البنود تراجعاً شهرياً، من بينها العناية الشخصية والأثاث المنزلي بنسبة 0.2 في المائة لكل منهما، إضافة إلى الملابس والأحذية بنسبة 0.1 في المائة. ويعكس هذا التباين بين القطاعات استمرار توازن السوق وعدم انتقال موجة الزيادة إلى كامل بنود الاستهلاك.

البيئة الاقتصادية تدعم الاستقرار

تتسق قراءة مايو مع تقديرات وزارة المالية السعودية التي ترجح انخفاض معدل التضخم إلى نحو 2 في المائة خلال 2026، بعد أن كان قريباً من 2.3 في المائة في 2025. كما تتماشى مع توقعات صندوق النقد الدولي، الذي يتوقع بقاء متوسط التضخم عند 2.3 في المائة خلال 2026، مع الإشارة إلى قوة ارتباط الريال السعودي بالدولار وكفاءة برامج الدعم الحكومي للسلع الأساسية.

هذه العوامل مجتمعة تمنح السوق قدراً أكبر من الثبات، وتحد من انتقال الصدمات الخارجية إلى الأسعار المحلية. كما أن القوة النسبية للعملة وربطها بالدولار يساهمان في تقليل تقلبات الاستيراد والسلع المسعرة عالمياً.

وبذلك، لا تبدو الضغوط الحالية انعكاساً لاختلال واسع في الاقتصاد، بقدر ما هي نتيجة عوامل محددة، أبرزها ديناميكيات السوق العقارية وتكاليف الخدمات المرتبطة بها.

السكن يظل التحدي الأكبر

يرى مختصون أن بقاء الإيجارات في صدارة العوامل المؤثرة في التضخم يبرز قوة الطلب على السكن، في ظل النمو السكاني والاقتصادي، إلى جانب استمرار النشاط في بعض المناطق الحضرية. وفي هذا السياق، تصبح تكلفة الإيجار عنصرًا أساسيًا في قراءة الأسعار، لأنها تمس شريحة واسعة من المستهلكين بشكل مباشر.

كما يشير مراقبون إلى أن استمرار توسع المشروعات العقارية وزيادة المعروض السكني قد يخففان من حدة الضغوط خلال الفترة المقبلة، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع نمو في المخزون المتاح من الوحدات السكنية والإسكان المتوسط.

ومن منظور اقتصادي أوسع، فإن استقرار التضخم عند مستويات منخفضة يمنح القطاع الخاص والأسر درجة أعلى من الوضوح في التخطيط المالي، كما يخفف الحاجة إلى تعديلات سعرية كبيرة في الأجور أو العقود التجارية.

قراءة تعكس توازن السوق

تشير بيانات مايو إلى أن التضخم في السعودية لا يزال يدور حول مستويات مريحة نسبياً، مع وجود ضغط واضح لكنه محدود من قطاع السكن. وهذا يعني أن التحدي الأساسي في المرحلة المقبلة لن يكون في السيطرة على تضخم شامل، بل في إدارة عوامل الطلب على الإيجارات وتوسيع المعروض السكني.

ومع بقاء التضخم قريباً من المستويات المستهدفة، تبدو الصورة العامة للاقتصاد السعودي متماسكة، خاصة في ظل السياسات المالية والنقدية التي تدعم الاستقرار وتحد من تقلبات الأسعار.

وفي ضوء هذه المؤشرات، يظهر أن سوق الأسعار في المملكة ما زال محافظاً على توازنه، حتى مع استمرار بعض الضغوط القطاعية التي تتطلب متابعة دقيقة خلال الشهور المقبلة.