تباطؤ الإقراض يضغط على ثاني أكبر اقتصاد في العالم
أظهرت البيانات النقدية الأخيرة في الصين أن البنوك منحت قروضاً جديدة في مايو بأقل من التوقعات، في إشارة جديدة إلى أن الطلب على الائتمان ما زال يتأثر بضعف سوق العقارات وتراجع شهية الأسر والشركات للاستدانة. وجاءت القراءة الشهرية أفضل من أبريل، حين سجلت القروض الجديدة انكماشاً، لكنها بقيت دون مستوى تقديرات المحللين، ما يعكس استمرار الفجوة بين إجراءات الدعم الرسمي وبين تحسن النشاط الفعلي في الاقتصاد.
وبحسب الحسابات المستندة إلى بيانات بنك الشعب الصيني، بلغ حجم القروض الجديدة المقومة باليوان 520 مليار يوان، أي ما يعادل نحو 77 مليار دولار، مقارنة بانكماش طفيف في الشهر السابق. وكانت التوقعات تشير إلى مستوى أعلى من ذلك، ما يوضح أن الائتمان لم يستعد زخمه الكامل رغم التحركات التي اتخذتها السلطات لتعزيز الإقراض.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد مسار شهري محدود، بل تُظهر أن الاقتصاد الصيني لا يزال يواجه صعوبة في تحويل السياسات التيسيرية إلى طلب حقيقي على التمويل. فالمشكلة لم تعد مرتبطة بالعرض النقدي وحده، بل بضعف الثقة داخل قطاعات رئيسية مثل العقارات والاستهلاك والاستثمار الخاص.
العقار والاستهلاك يفرضان سقفاً على الاقتراض
الضغط الأكبر على الإقراض يأتي من سوق العقارات، الذي يواصل لعب دور مركزي في سلوك الأسر الصينية. فالتراجع الطويل في أسعار المساكن ومبيعات المنازل الجديدة دفع كثيراً من الأسر إلى الحذر في الاقتراض، سواء لشراء العقارات أو لتمويل الإنفاق الاستهلاكي المرتبط بها. وفي اقتصاد يعتمد جزئياً على العقار بوصفه محركاً للثروة المحلية والطلب الداخلي، يصبح أي تباطؤ في هذا القطاع سريع الانتقال إلى البنوك والتجزئة والإنشاءات.
كما أن مبيعات المنازل الجديدة في مايو أظهرت أن الفجوة بين المدن الكبرى والمناطق الأخرى ما زالت قائمة، وهو ما يعني أن التعافي غير متوازن، وأن بعض أسواق الإسكان تظل أضعف بكثير من غيرها. ووفقاً لتقديرات بحثية، فإن دورة خفض المديونية في القطاع العائلي مرشحة للاستمرار، ما قد يدفع الحكومة إلى الاعتماد بدرجة أكبر على السياسة المالية لتعويض ضعف القطاع الخاص.
إلى جانب العقار، يبقى الطلب الاستهلاكي ضعيفاً. فالشركات والأسر لا تُظهر حماساً كبيراً لزيادة الاقتراض في ظل بيئة أعمال غير مستقرة، وتراجع الثقة في سرعة التعافي، وضغط المبيعات على قطاعات مثل السيارات والتجزئة. وفي مايو، انخفضت مبيعات السيارات بنحو حاد، وهو ما اعتبرته مذكرات بحثية مؤشراً على هشاشة زخم الاستهلاك الأساسي.
الائتمان الإجمالي ينمو لكن بوتيرة أبطأ
على أساس أوسع، بلغ حجم القروض القائمة المقومة باليوان 281.02 تريليون يوان، بزيادة سنوية قدرها 5.5 في المائة، وهي نسبة أقل قليلاً من الشهر السابق، لكنها متوافقة مع توقعات السوق. ويعني ذلك أن الائتمان لا يزال ينمو، غير أن وتيرة النمو نفسها بدأت تفقد جزءاً من قوتها، وهو ما ينسجم مع ضعف النشاط الاقتصادي العام.
كما ارتفع المعروض النقدي الواسع، المعروف باسم M2، بنسبة 8.6 في المائة على أساس سنوي، متجاوزاً التوقعات بقليل، بينما نما المعروض النقدي الأضيق M1 بنسبة 5.5 في المائة. أما إجمالي التمويل الاجتماعي القائم، وهو مقياس شامل للسيولة والائتمان في الاقتصاد، فقد سجل نمواً سنوياً بلغ 7.7 في المائة، انخفاضاً من 7.8 في المائة في الشهر السابق. وهذه الأرقام تشير إلى أن السيولة متوفرة، لكن ترجمتها إلى توسع فعلي في الاقتراض والإنفاق والاستثمار ما زالت محدودة.
وبالنسبة للمراقبين، تكمن أهمية هذه المؤشرات في أنها ترسم صورة مزدوجة: من جهة، لا يبدو أن الصين تواجه شحاً في التمويل، ومن جهة أخرى، لا يظهر الاقتصاد استعداداً كافياً لتحويل هذه السيولة إلى دورة نمو أقوى. لذلك، فإن أي تحسن مستقبلي سيعتمد على قدرة بكين على إعادة الثقة إلى المستهلكين والشركات، وليس فقط على ضخ مزيد من الائتمان.
السلطات تضغط على البنوك لزيادة الإقراض
تشير تقارير سوقية إلى أن بنك الشعب الصيني وجّه، بصورة غير رسمية، بعض البنوك الحكومية الكبرى إلى تعزيز الإقراض في مايو، بعد تعليمات مشابهة في أبريل. ويعكس هذا النهج قلق السلطات من ضعف النمو الائتماني في وقت يحتاج فيه الاقتصاد إلى دفعة جديدة لتعزيز النشاط المحلي.
لكن توجيه البنوك لزيادة الإقراض لا يحل المشكلة كاملة، لأن الإقبال على التمويل نفسه ما زال ضعيفاً. وعندما تتراجع شهية الأسر على الاقتراض، وتتباطأ الشركات في توسيع عملياتها، يصبح الدعم الموجّه من أعلى إلى أسفل أقل فعالية. لذلك، يُنظر إلى السياسة المالية، بما في ذلك إصدار السندات الحكومية وتمويل المشاريع العامة، باعتبارها أداة مهمة لتثبيت النمو في المرحلة الراهنة.
ويعتقد محللون أن تحسن إصدار السندات الحكومية قد يرفع حجم التمويل الاجتماعي خلال الأشهر المقبلة، لكنه لن يغير المشهد جذرياً ما لم يتحسن الطلب النهائي في الاقتصاد الحقيقي. وهذا يعني أن نجاح السلطات في رفع الإقراض يبقى مرتبطاً بقدرتها على إقناع السوق بأن مرحلة التباطؤ لن تتحول إلى ركود ممتد.
بيئة الأعمال الضعيفة تعرقل التعافي
السبب الأوسع وراء هذا الضعف يعود إلى بيئة أعمال لا تزال أقل من المطلوب، مع استمرار تباطؤ الطلب الاستهلاكي وغياب محفزات قوية لإنفاق الأسر. كما أن الشركات الخاصة تتعامل بحذر مع التوسع في ظل ضبابية الأرباح والتوترات التجارية والتغيرات التنظيمية المتكررة في بعض القطاعات.
وفي هذا السياق، لا يُقرأ تراجع القروض الجديدة في مايو كمؤشر مالي منفصل، بل كجزء من صورة أشمل للاقتصاد الصيني: نمو موجود، لكنه أقل توازناً؛ وسيولة متوافرة، لكن استخدامها محدود؛ ودعم رسمي واضح، لكن أثره العملي لا يزال غير كافٍ لتغيير الاتجاه العام بسرعة.
ومع استمرار الضعف في العقار والاستهلاك والاستثمار الخاص، يبدو أن بكين ستواصل موازنة سياساتها بين دعم الاستقرار المالي وتجنب خلق موجات مديونية جديدة. وهذه المعادلة تجعل مسار الائتمان في الصين خلال الأشهر المقبلة واحداً من أهم المؤشرات التي ستحدد مدى قوة التعافي الاقتصادي في أكبر سوق نامية في العالم.