15-Jul-2026 5 دقائق قراءة

البنك الدولي يحذر من صدمة هرمز على اقتصادات الخليج ويضع السعودية في صدارة النمو خلال 2026

تقرير البنك الدولي يرسم صورة قاتمة لاقتصادات الخليج في 2026 مع اضطرابات مضيق هرمز، لكنه يبرز السعودية كأفضل اقتصاد أداءً في المنطقة بفضل مرونتها اللوجستية ومصداتها المالية.

تقرير جديد يعيد رسم مشهد الاقتصاد الإقليمي

يدخل الاقتصاد العالمي عام 2026 في بيئة أشد تقلباً، بعدما دفعت التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط المؤسسات الدولية إلى مراجعة توقعاتها للنمو والتضخم وأسعار الطاقة. ويظهر أحدث تقدير للبنك الدولي أن تداعيات اضطراب مضيق هرمز لن تبقى محصورة في سوق النفط، بل ستمتد إلى التجارة وسلاسل الإمداد والإنفاق الحكومي والميزانيات العامة في عدد من الدول.

وفي قلب هذه الصورة، تتعرض اقتصادات الخليج لضغوط غير مسبوقة نتيجة الإغلاق الفعلي للمضيق، الذي يُعد أحد أهم الشرايين التجارية في العالم لنقل النفط والغاز. ومع ذلك، يظل أداء السعودية أكثر تماسكاً مقارنة بجاراتها، مستفيدة من مرونتها اللوجستية وقدرتها على تنويع مسارات التصدير وامتصاص الصدمات.

التقرير لا يكتفي بتوصيف الأزمة، بل يوضح أن انعكاساتها ستعيد تشكيل ترتيب القوى الاقتصادية في المنطقة، مع تفاوت حاد بين الدول الأكثر تعرضاً للاضطراب وبين الاقتصادات التي تمتلك منافذ بديلة أو قاعدة إنتاج أكثر تنوعاً.

النفط والتضخم في صدارة الضغوط

يرى البنك الدولي أن أسواق الطاقة ستكون المحرك الأكبر لهذه الموجة الجديدة من التباطؤ. فمع استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز، يتوقع أن يرتفع متوسط سعر خام برنت إلى نحو 94 دولاراً للبرميل في 2026، وهو مستوى أعلى بنحو 36 في المائة من عام 2025، شريطة أن تنحسر الأزمة خلال الأشهر المقبلة.

هذا الارتفاع لا ينعكس على النفط فقط، بل يمتد إلى تكاليف الأسمدة والغذاء والشحن، ما يدفع التضخم العالمي إلى قرابة 4 في المائة مقارنة بـ3.3 في المائة في 2025. وفي حال اتسعت رقعة الأزمة، قد يرتفع التضخم أكثر إلى 4.4 في المائة، ما يزيد الضغط على البنوك المركزية التي تواجه بالفعل بيئة نمو ضعيف وأسعار فائدة مرتفعة.

وبذلك، تصبح أزمة هرمز مثالاً واضحاً على الترابط بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد الكلي، حيث يؤدي تعطل ممر ملاحي واحد إلى صدمة مزدوجة تطال العرض والأسعار معاً.

الخليج تحت الضغط والسعودية تتقدم المشهد

المراجعة الأحدث للبنك الدولي تشير إلى أن النمو في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سيهبط إلى 1.6 في المائة في 2026، مقارنة بنحو 4 في المائة في 2025، وهو خفض حاد يعكس عمق الصدمة. أما الدول المصدرة للنفط في الشرق الأوسط، فتواجه تباطؤاً أشد، مع توقع نمو إجمالي لا يتجاوز 0.3 في المائة، بعد تعديلات هبوطية واسعة منذ بداية العام.

داخل مجلس التعاون الخليجي، يبرز التفاوت بوضوح. السعودية تبدو الأقل تضرراً نسبياً بفضل قدرتها على تحويل جزء من صادراتها بعيداً عن الممرات المتأثرة عبر خطوط بديلة، وعلى رأسها خط الأنابيب الممتد نحو البحر الأحمر. كما تمنحها احتياطياتها المالية وهامشها السيادي قدرة أكبر على دعم النشاط الاقتصادي عند الحاجة.

وبحسب التقديرات المحدثة، من المتوقع أن يسجل الاقتصاد السعودي نمواً قدره 3.1 في المائة في 2026، قبل أن يتسارع إلى 4.9 في المائة في 2027. ويعكس ذلك أن المملكة، رغم تأثرها ببيئة الطاقة العالمية، لا تزال أكثر قدرة من غيرها على الحفاظ على وتيرة نمو موجبة في ظل الأزمة الراهنة.

فجوة واضحة بين دول الخليج

التقرير يقدّم صورة مفصلة عن الفروق بين الاقتصادات الخليجية، حيث تختلف درجة التعرض المباشر للمضيق من دولة إلى أخرى، كما تختلف قدرة كل اقتصاد على امتصاص أثر توقف الإمدادات أو ارتفاع تكاليف النقل والتأمين.

في الإمارات، يتوقع البنك الدولي تباطؤ النمو إلى 2.4 في المائة في 2026، بعد أن كان عند 5 في المائة في 2025، على أن يعود إلى 4.1 في المائة في 2027. أما سلطنة عمان، فتتأثر بدرجة أقل من بعض جيرانها بسبب تموضع موانئها خارج نطاق الاختناق المباشر للمضيق، مع توقع نمو عند 2.4 في المائة في 2026.

البحرين تواجه بدورها تباطؤاً إلى 1.3 في المائة، بينما تبدو الكويت من أكثر الاقتصادات حساسية للأزمة، نظراً لاعتمادها الكامل تقريباً على المضيق في تصدير النفط الخام ومشتقاته. ووفق التقرير، قد ينكمش اقتصادها 6.4 في المائة في 2026، قبل أن يشهد تعافياً قوياً لاحقاً مع استعادة مسارات التجارة والاستقرار في الإمدادات.

قطر تتعرض أيضاً لضربة كبيرة نتيجة التأثير المباشر على إمدادات الغاز الطبيعي المسال، مع توقع انكماش واضح في 2026 بعد أن كانت التقديرات السابقة تشير إلى نمو إيجابي. أما العراق، فيسجل أكبر تراجع نسبي في التوقعات مع انتقاله من نمو مرتفع إلى انكماش حاد، ما يعكس هشاشة بنيته النفطية أمام الصدمات الأمنية واللوجستية.

مصر تستفيد من إعادة توجيه التجارة

على الضفة الأخرى من المشهد، يظهر الاقتصاد المصري بصورة أكثر تماسكاً مقارنة بالاقتصادات النفطية المحاصرة بالتوترات. البنك الدولي رفع توقعاته لنمو مصر في 2026 إلى 4.6 في المائة، مستفيداً من حركة تجارة تتحول تدريجياً نحو البحر الأحمر وقناة السويس لتفادي المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز.

كما يسهم تنوع القاعدة الاقتصادية المصرية، مقارنة باعتماد جيرانها على صادرات الطاقة، في تخفيف أثر الصدمة المباشر. وتستفيد القاهرة أيضاً من تدفقات استثمارية خارجية وحزم تمويل داعمة وفرت قدراً من الاستقرار النقدي، وعززت قدرة القطاعات غير النفطية على مواصلة النشاط.

هذا التباين يوضح كيف يمكن للاضطرابات نفسها أن تخلق خسائر حادة في بعض الاقتصادات، بينما تفتح فرصاً نسبية لاقتصادات أخرى تمتلك موقعاً جغرافياً أو بنية لوجستية مناسبة.

الرسالة الأوسع: الاستقرار المالي أهم من أي وقت مضى

بعيداً عن أرقام النمو، يكشف التقرير أن العالم يواجه مرحلة تصبح فيها إدارة الاستقرار المالي أكثر صعوبة. فارتفاع أسعار الطاقة، وتشديد السياسة النقدية، وتباطؤ الاستثمار، كلها عوامل تتداخل لتنتج بيئة أضعف للنمو العالمي، الذي يتوقع أن يتراجع إلى 2.5 في المائة في 2026 قبل تحسن طفيف في 2027.

وفي هذا السياق، تبدو الحكومات أمام معادلة معقدة: حماية الموازنات والعملة والتضخم من جهة، وعدم خنق فرص التعافي من جهة أخرى. وتكمن صعوبة المرحلة في أن الصدمة الحالية ليست صدمة أسعار فقط، بل صدمة ثقة وسلاسل إمداد وتوقعات أيضاً.

أما في الشرق الأوسط، فإن الدرس الأبرز يتمثل في أن الاعتماد المفرط على ممرات ضيقة أو على مصدر دخل واحد يجعل الاقتصادات أكثر عرضة للتقلبات. لذلك، فإن تنويع الصادرات، وتطوير البنية اللوجستية، وتعزيز المرونة المالية، تبقى عناصر حاسمة لتقليل تكلفة أي أزمة مشابهة في المستقبل.

وبينما يواصل البنك الدولي تعديل توقعاته تبعاً لتطورات الأزمة، يبدو أن 2026 سيكون عاماً حاسماً لاختبار قدرة اقتصادات الخليج على الصمود، وقدرة السعودية على ترسيخ موقعها كالأكثر توازناً في مواجهة اضطراب إقليمي واسع النطاق.