15-Jul-2026 5 دقائق قراءة

الجنيه الإسترليني يدعم مكاسبه مع ترقب البنوك المركزية لصدمات الطاقة

ارتفع الجنيه الإسترليني إلى أعلى مستوى له في شهر أمام الدولار وأعلى مستوى في عام أمام اليورو، مع دعم من توقعات السياسة النقدية وتحسن آفاق الاقتصاد البريطاني، بينما تراقب الأسواق تأثيرات أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية على العملات والأسواق العالمية.

الجنيه الإسترليني يستفيد من رهانات السياسة النقدية

سجل الجنيه الإسترليني أداءً قوياً في تعاملات نهاية الأسبوع، إذ صعد إلى أعلى مستوى له في نحو شهر أمام الدولار، ولامس أفضل مستوى له خلال عام مقابل اليورو. وجاءت الحركة في وقت تتابع فيه الأسواق العالمية تداعيات التوترات الجيوسياسية الأخيرة على أسعار الطاقة، وما قد تفرضه من تغييرات على مواقف البنوك المركزية الكبرى.

وارتفع الجنيه إلى مستوى 1.345 دولار، في إشارة إلى تحسن شهية المستثمرين للعملة البريطانية، بينما تراجع اليورو إلى 85.18 بنس قبل أن يقلص خسائره لاحقاً. ويعكس هذا الأداء تفضيلاً نسبياً للعملة البريطانية في بيئة تتسم بتقلبات واضحة في أسعار النفط وتوقعات الفائدة العالمية.

عوامل متعددة تدعم العملة البريطانية

يرى محللون أن صعود الجنيه خلال الأسابيع الماضية لم يكن نتيجة عامل واحد، بل جاء مدفوعاً بمجموعة من التطورات الاقتصادية والمالية. من بين هذه العوامل تحسن البيانات الاقتصادية البريطانية مقارنة بالتوقعات، وازدياد اهتمام الشركات الأجنبية بالاستحواذ على أصول بريطانية، إضافة إلى قدر من الاستقرار السياسي النسبي، فضلاً عن توقعات السوق بشأن مسار بنك إنجلترا.

كما أسهمت تصريحات لمسؤولين في السياسة النقدية البريطانية في تعزيز هذه النظرة. فقد أشار كبير الاقتصاديين في بنك إنجلترا إلى أن البنك قد يحتاج إلى مزيد من الرفع في أسعار الفائدة إذا استمر التضخم في الظهور بمستويات غير مريحة. هذه الإشارات دفعت المستثمرين إلى الاعتقاد بأن بنك إنجلترا لا يزال أكثر تشدداً من الاحتياطي الفيدرالي أو البنك المركزي الأوروبي في التعامل مع التضخم.

وفي أسواق العملات، غالباً ما يكون فارق التوقعات بشأن الفائدة عاملاً حاسماً في تحديد اتجاهات التداول. وعندما يُنظر إلى بنك مركزي على أنه أكثر ميلاً للتشديد، تميل العملة المرتبطة به إلى الاستفادة من ذلك عبر زيادة الطلب عليها.

النفط والتوترات الجيوسياسية يظلان عاملين حاسمين

رغم الدعم الذي يتلقاه الجنيه من السياسة النقدية، فإن اتجاهه في المدى القصير لا يعتمد على البيانات البريطانية وحدها. فمع غياب صدور أرقام اقتصادية محلية رئيسية في الوقت الراهن، قد يصبح تأثير العوامل الخارجية أكبر، وعلى رأسها تحركات الدولار عالمياً وتغيرات أسعار النفط والتطورات في الشرق الأوسط.

وارتفعت أسعار النفط بنحو 5 في المائة خلال أسبوع واحد، بعدما زادت المخاوف من تداعيات التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران. كما بقي خام برنت قريباً من مستوى 76 دولاراً للبرميل، وهو أقل بكثير من ذروته السابقة، لكنه يظل كافياً لإبقاء الأسواق في حالة حذر، خصوصاً بالنسبة إلى الاقتصادات المستوردة للطاقة مثل بريطانيا.

وكلما ارتفعت فاتورة الطاقة، زادت احتمالات أن تتأثر توقعات التضخم والنمو معاً. ولذلك تراقب الأسواق عن كثب أي مؤشرات على استقرار أو اضطراب إضافي في إمدادات النفط، لأن ذلك قد ينعكس على مواقف البنوك المركزية في أوروبا والولايات المتحدة، ثم على سوق العملات مباشرة.

توقعات النمو البريطاني تمنح دعماً إضافياً

من جهة أخرى، عزز صندوق النقد الدولي النظرة إلى الاقتصاد البريطاني بعد أن رفع هذا الأسبوع توقعاته للنمو. ويتوقع الصندوق أن يسجل الاقتصاد البريطاني نمواً بنسبة 1 في المائة في عام 2026، وهو تعديل ساعد على تحسين المزاج العام تجاه الأصول البريطانية.

كما أشار الصندوق إلى أن بريطانيا قد تكون ثالث أسرع اقتصادات مجموعة السبع نمواً هذا العام، بعد كندا والولايات المتحدة، وأمام اقتصادات منطقة اليورو. وتكتسب هذه المقارنة أهمية خاصة في سوق الصرف، لأن الفارق النسبي في الأداء الاقتصادي بين بريطانيا ومنطقة اليورو يمكن أن يدعم الجنيه مقابل العملة الأوروبية الموحدة.

ويضاف إلى ذلك أن هبوط أسعار النفط في فترات سابقة، بعد ترتيبات التهدئة في الشرق الأوسط، قد منح الاقتصاد البريطاني بعض الراحة بوصفه من كبار مستوردي الطاقة. لكن الارتفاعات الأخيرة تعيد جزءاً من الضغط إلى المشهد، ما يجعل مكاسب الجنيه مرتبطة بمدى قدرة السوق على استيعاب تلك الصدمات.

اليورو يتراجع أمام الجنيه وسط تباين في النظرة الاقتصادية

في المقابل، تعرض اليورو لضغوط أمام الجنيه مع استمرار الفجوة في التوقعات الاقتصادية والسياسية بين الجانبين. ويعكس هبوط اليورو إلى أدنى مستوى له أمام الجنيه منذ أواخر يونيو 2025 أن المستثمرين يرون في العملة البريطانية، في هذه المرحلة، مزيجاً من العوامل المساندة أكثر قوة من نظيره الأوروبي.

ولا يرتبط هذا الضعف فقط بعوائد الفائدة أو توقعات التضخم، بل أيضاً بدرجة عدم اليقين حول مسار الاقتصاد الأوروبي في ظل حساسية المنطقة تجاه الطاقة والنمو الصناعي. ومع بقاء الاقتصاد البريطاني تحت المجهر، فإن أي بيانات جديدة قد تعيد رسم اتجاه التداول بسرعة.

الأسواق تراقب ما بعد النفط

اللافت في تحركات الجنيه الأخيرة أنه استفاد من تفاعل عدة أسواق في وقت واحد: سوق العملات، وسوق الطاقة، وتوقعات البنوك المركزية، والتقديرات الجديدة للنمو. وهذا الترابط يوضح كيف أصبحت العملات الرئيسية تتأثر بمجموعة أوسع من المؤشرات، وليس فقط بأسعار الفائدة أو النمو المحلي.

وفي هذا السياق، يظل السؤال الأساسي بالنسبة للمستثمرين هو ما إذا كان بنك إنجلترا سيحافظ على نبرته المتشددة، أم أن أي تباطؤ اقتصادي أو هدوء في التضخم سيغير المشهد لاحقاً. وحتى تتضح الصورة، قد يبقى الجنيه الإسترليني مدعوماً، لكن ضمن نطاق حساس لأي تحولات مفاجئة في النفط أو الدولار أو التوترات الجيوسياسية.