الذهب يتعرض لضغوط مزدوجة
سجلت أسعار الذهب تراجعاً حاداً في تعاملات الاثنين، لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ نحو أسبوعين، في حركة عكست تحولات سريعة في شهية المستثمرين نحو الملاذات الآمنة. وجاء الهبوط في وقت ارتفعت فيه أسعار النفط بقوة، ما أعاد إلى الواجهة المخاوف من عودة الضغوط التضخمية، وزاد القناعة بأن السياسة النقدية الأميركية قد تبقى مشددة لفترة أطول.
وانخفض الذهب في السوق الفورية بنحو 2.8 في المائة إلى 4005.59 دولار للأوقية، مواصلاً خسائره للجلسة الثانية على التوالي. كما تراجعت العقود الأميركية الآجلة بنسبة 2.4 في المائة إلى 4013.40 دولار للأوقية، في إشارة إلى أن موجة البيع لم تكن آنية فحسب، بل امتدت إلى توقعات المستثمرين حيال الاتجاه القريب للمعدن الأصفر.
ويُنظر إلى الذهب عادة باعتباره أداة تحوط في أوقات الاضطراب، لكن ارتفاع العوائد المتوقعة من الأصول الدولارية، إلى جانب صعود النفط وما يرافقه من مخاوف تضخمية، يجعلان المعدن غير المدر للعائد أقل جاذبية في بيئة السوق الحالية.
النفط يرفع تكلفة المخاطر في الأسواق
التراجع في الذهب جاء متزامناً مع قفزة قوية في أسعار النفط، بعدما عززت التطورات المرتبطة بالتوتر بين الولايات المتحدة وإيران المخاوف بشأن إمدادات الطاقة العالمية. وقد ارتفع الخامان القياسيان بشكل ملحوظ، مع تسجيل مكاسب يومية هي الأكبر منذ أبريل، نتيجة تصاعد القلق من أي اضطراب في حركة الشحن عبر مضيق هرمز.
هذا الصعود في النفط لا ينعكس فقط على أسواق الطاقة، بل يرفع كذلك توقعات التضخم في الاقتصادات الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. وكلما زادت احتمالات ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ازدادت الضغوط على البنوك المركزية للإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة، وهو ما يضغط بدوره على الذهب، لأن البيئة ذات الفائدة المرتفعة تقلل جاذبية الأصول التي لا تمنح عائداً دورياً.
وقال محللون في السوق إن المتعاملين بدأوا يعيدون تسعير المخاطر الجيوسياسية بشكل أسرع، خصوصاً مع عودة الاضطرابات في الشرق الأوسط وارتفاع تكاليف الطاقة. وفي مثل هذه الحالات، لا يتحرك الذهب وحده، بل تتغير معادلة كاملة تشمل الدولار والسندات وأسواق الأسهم والسلع الأساسية.
رهانات متزايدة على تشديد السياسة النقدية
من العوامل التي عمّقت خسائر الذهب أيضاً ارتفاع الرهانات على أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يواصل موقفه المتشدد. فأسعار النفط المرتفعة تهدد بإعادة إشعال التضخم في الولايات المتحدة، وهو ما قد يدفع البنك المركزي إلى التريث قبل أي خفض للفائدة، أو حتى إلى إبقاء التكلفة التمويلية عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.
وبحسب أداة تتبع توقعات الفائدة في الأسواق، ارتفعت احتمالات رفع الفائدة في الاجتماع المقبل للفيدرالي إلى مستويات لافتة، في انعكاس مباشر لقلق المستثمرين من أن موجة التضخم قد لا تكون قد انتهت بعد. وهذه التوقعات تترجم غالباً إلى ضغط على الذهب، لأن المستثمرين يفضلون وقتها السندات والأدوات النقدية الأعلى عائداً.
وفي هذا السياق، أشار بعض محللي الأسواق إلى أن استمرار صعود النفط قد يدفع الذهب إلى مستويات أدنى، إذا استمرت موجة البيع الحالية. لكن هذا المسار يبقى مرتبطاً بدرجة كبيرة باتجاهات الطاقة، وأيضاً بمدى قوة البيانات الاقتصادية الأميركية القادمة.
بيانات أميركية قد تحدد الاتجاه المقبل
يراقب المستثمرون هذا الأسبوع مجموعة من البيانات الأميركية الأساسية التي قد تعطي صورة أوضح عن مسار الأسعار والسياسة النقدية. وتأتي في مقدمة هذه البيانات أرقام التضخم، إلى جانب مؤشرات أسعار المنتجين ومبيعات التجزئة وطلبات إعانة البطالة، وهي بيانات عادة ما تؤثر مباشرة في توقعات الأسواق بشأن الفائدة والدولار والذهب.
كما تتجه الأنظار إلى شهادة رئيس الاحتياطي الفيدرالي أمام الكونغرس، وهي الأولى له منذ توليه المنصب. وتمثل هذه الشهادة فرصة للأسواق لالتقاط أي إشارة جديدة بشأن تقييم البنك المركزي للضغوط التضخمية، ومدى استعداده لتعديل موقفه في الأشهر المقبلة.
وإذا جاءت البيانات أعلى من المتوقع، فقد تتعزز قناعة المستثمرين بأن الفائدة ستظل مرتفعة، الأمر الذي قد يضغط على الذهب أكثر. أما إذا ظهرت مؤشرات تباطؤ أو تراجع واضح في التضخم الأساسي، فقد يجد المعدن الثمين بعض الدعم من عودة الرهانات على خفض الفائدة لاحقاً.
تأثيرات ممتدة على المعادن النفيسة الأخرى
ولم يكن الذهب وحده الذي تأثر بتغير المزاج الاستثماري، إذ شهدت المعادن النفيسة الأخرى عمليات بيع أوسع. فقد تراجعت الفضة بنحو 3.5 في المائة، وهبط البلاتين بنسبة 1.4 في المائة، كما انخفض البلاديوم بنحو 1.7 في المائة. ويعكس ذلك اتجاهاً عاماً نحو تقليص الانكشاف على المعادن في ظل ارتفاع المخاطر المتعلقة بالفائدة والنفط والدولار.
هذا التراجع الجماعي يشير إلى أن المستثمرين لا يتعاملون مع الذهب باعتباره ملاذاً مضموناً في كل الظروف، بل كأصل يتأثر بعوامل متشابكة، بينها قوة العملة الأميركية، واتجاه العوائد الحقيقية، ودرجة التوتر الجيوسياسي، وتوقعات النمو العالمي.
ويظل المسار القريب للذهب مرهوناً بتوازن حساس بين عاملين متعارضين: من جهة، قد يدعم التوتر الإقليمي الطلب على الملاذات الآمنة، ومن جهة أخرى، يضغط ارتفاع النفط واحتمالات التشديد النقدي على المعدن نفسه. وفي الوقت الراهن، يبدو أن كفة العوامل الضاغطة كانت هي الأرجح في الأسواق.