بدأ العراق التحرك عملياً لاستعادة وتيرة صادراته النفطية مع عودة الهدوء النسبي إلى الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لشحنات الطاقة في العالم. وتأتي هذه الخطوات في وقت تسعى فيه دول الشرق الأوسط المنتجة للنفط إلى إعادة ترتيب مسارات التصدير بعد فترة من الاضطراب أثرت في حركة السفن وتدفقات الخام إلى الأسواق العالمية.
وقال المتحدث باسم وزارة النفط العراقية سالم الركابي إن بلاده تعمل على ترشيح الناقلات التي ستتولى نقل النفط الخام العراقي، في إشارة إلى استعدادات فنية ولوجستية تهدف إلى تسريع استئناف الشحنات. كما بدأت شركة تسويق النفط الحكومية "سومو" التعامل مع طلبات بعض المشترين المتعلقة بالناقلات التي يفضلون استخدامها لنقل الشحنات، وهو ما يعكس عودة تدريجية للتنسيق التجاري مع تحسن ظروف الشحن.
تراجع الاضطراب في المضيق يعيد الاهتمام بالإمدادات
شهد مضيق هرمز خلال الفترة الماضية اضطرابات واسعة أثرت في مسارات تجارة النفط، قبل أن تبدأ مؤشرات عودة النشاط الملاحي بالظهور مع تحرك بعض الناقلات في المنطقة. ويرى متعاملون في السوق أن أي استقرار في هذا الممر الحيوي يخفف المخاوف المرتبطة بالإمدادات، ويفتح المجال أمام تدفق كميات أكبر من الخام إلى الأسواق الدولية.
وتشير التقديرات إلى أن استئناف الصادرات لن يكون فورياً أو كاملاً، بل سيجري بشكل متدرج. وأفادت وكالة الطاقة الدولية بأن تعافي الشحنات قد يحتاج إلى وقت، وهو ما يتوافق مع طبيعة التعقيدات المرتبطة بتوفر السفن، وإعادة توزيعها، وعودة الإنتاج في الحقول التي تباطأت أو توقفت جزئياً خلال الأزمة.
أسعار النفط تتفاعل مع توقعات عودة الكميات
انعكس ترقب عودة الإمدادات على أسواق الخام، إذ تراجعت الأسعار مع اتساع التوقعات بزيادة المعروض العالمي. وهبط خام برنت إلى ما دون 80 دولاراً للبرميل، وهو مستوى لم يُسجل منذ بداية مارس، في إشارة إلى حساسية السوق لأي تطور يتعلق بخطوط التصدير في الخليج.
وبالنسبة للعراق، جاء التحسن النسبي في حركة الصادرات بعد فترة شهدت فيها الشحنات تراجعاً حاداً. فقد ارتفعت صادرات البلاد عبر هرمز إلى نحو مليون برميل يومياً في النصف الأول من الشهر الجاري، مقارنة بمستوى منخفض بلغ نحو 98 ألف برميل يومياً من الموانئ الجنوبية في مايو. وقبل الأزمة، كانت الصادرات العراقية تسجل في المتوسط نحو 3.5 ملايين برميل يومياً، ما يعكس حجم الفجوة التي يسعى العراق إلى تضييقها تدريجياً.
دول خليجية أخرى ترفع شحناتها بصمت
لم يكن العراق وحده في مواجهة تحديات التصدير، إذ لجأت دول خليجية أخرى مثل الإمارات والكويت إلى زيادة الشحنات بشكل غير معلن خلال الفترة الماضية. كما ارتفع عدد الناقلات التي أوقفت أجهزة التتبع، في خطوة تعكس التعقيدات التشغيلية المرتبطة بظروف الملاحة. ومن المتوقع أن يؤدي فتح هرمز بشكل أكثر استقراراً إلى تعزيز هذه التدفقات ورفع مستوى الشحنات من جديد.
ويؤكد هذا المشهد أن سوق النفط لا يتأثر فقط بحجم الإنتاج، بل أيضاً بقدرة المنتجين على إيصال الخام إلى المستهلكين دون تعطيل. فالتغيرات في حركة السفن، أو في جاهزية الموانئ، أو في توافر الناقلات، يمكن أن تعيد رسم خريطة الإمدادات خلال أيام قليلة، حتى لو بقي الإنتاج نفسه دون تغير كبير.
العراق يراهن على مرونة البنية التحتية
قال الركابي إن استعادة إنتاج بعض الحقول العراقية السابقة قد تتطلب وقتاً يختلف من حقل إلى آخر، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى عدم وجود أضرار كبيرة في البنية التحتية الخاصة بالتصدير. وهذه النقطة مهمة لأنها تعني أن العراق يمتلك أساساً فنياً يسمح له بتسريع العودة إلى مستويات أعلى من الصادرات بمجرد توافر الظروف التشغيلية المناسبة.
وتبقى سرعة التعافي مرتبطة بعدة عوامل، من بينها عدد الناقلات المتاحة، ومدى سرعة مغادرة السفن العالقة داخل الخليج، وقدرة الدول المنتجة على إعادة تشغيل الكميات التي توقفت مؤقتاً. وإذا استمرت مؤشرات الاستقرار الملاحي، فقد يستفيد العراق من موقعه التصديري لإعادة بناء حصته في السوق العالمية تدريجياً.
في المحصلة، يعكس التحرك العراقي حالة أوسع في سوق الطاقة، حيث تتداخل الجغرافيا مع التجارة واللوجستيات والأسعار. ومع عودة النشاط عبر مضيق هرمز، يراقب المستثمرون والمتعاملون قدرة المنتجين على تحويل الانفراج الأمني إلى تدفقات فعلية تعيد التوازن إلى السوق وتخفف الضغوط على الإمدادات العالمية.