16-Jul-2026 5 دقائق قراءة

قطاع الخدمات البريطاني ينكمش للشهر الثاني في يونيو وسط ضعف الطلب وضغوط التكاليف

أظهرت بيانات مسح حديثة أن قطاع الخدمات البريطاني انكمش في يونيو للشهر الثاني على التوالي، مسجلاً أضعف أداء له منذ أوائل 2023، مع تراجع الطلبات الجديدة وارتفاع الضغوط التضخمية واستمرار عدم اليقين السياسي والاقتصادي.

انكماش متواصل في أكبر قطاع اقتصادي

أظهرت بيانات مسح أعمال حديثة أن قطاع الخدمات في المملكة المتحدة دخل الشهر الثاني على التوالي من الانكماش خلال يونيو، في إشارة إلى استمرار ضعف النشاط في أكبر مكونات الاقتصاد البريطاني. وجاءت القراءة الأضعف منذ أوائل 2023، ما يعكس ضغوطاً متراكمة على الشركات مع تراجع الطلبيات الجديدة وارتفاع تكاليف التشغيل.

وسجّل مؤشر مديري المشتريات لقطاع الخدمات 48.8 نقطة في يونيو، مقابل 49.3 نقطة في مايو، وهو مستوى يبقى دون عتبة 50 نقطة الفاصلة بين النمو والانكماش. ورغم أن القراءة النهائية جاءت أعلى قليلاً من التقدير الأولي، فإنها لا تغيّر الصورة العامة التي تشير إلى فقدان الزخم الاقتصادي خلال الربع الثاني من العام.

ويكتسب هذا التراجع أهمية خاصة لأن قطاع الخدمات يمثل الجزء الأكبر من النشاط الاقتصادي في بريطانيا، ما يجعل أي ضعف فيه مؤشراً مباشراً على تباطؤ أوسع في الاقتصاد.

الطلبات الجديدة تتراجع بأسرع وتيرة منذ 2022

بيّنت البيانات أن الطلبات الجديدة هبطت بأسرع معدل منذ نوفمبر 2022، في تطور يعكس تراجع شهية العملاء مع استمرار الضبابية الاقتصادية والسياسية. وأشارت شركات شملها المسح إلى أن حالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسة المالية وتغيرات القيادة المحتملة في الحكومة، إلى جانب الضغوط التضخمية العالمية، دفعت كثيراً من العملاء إلى تأجيل الإنفاق أو خفضه.

ويعني هذا التراجع في الطلب أن الشركات تواجه بيئة تشغيل أكثر صعوبة، إذ لا يقتصر الأمر على ضعف النشاط الحالي، بل يمتد إلى تآكل الرؤية المستقبلية للأعمال خلال الأشهر المقبلة. كما أن تباطؤ الطلب يشكل عادة مقدمة لقرارات أكثر تحفظاً بشأن التوظيف والاستثمار.

وقال محلل الاقتصاد في مؤسسة ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس إن بيانات يونيو تعكس تباطؤاً واضحاً في زخم الاقتصاد البريطاني خلال الربع الثاني، بعد بداية كانت أكثر تماسكاً في مطلع العام.

التكاليف المرتفعة تبقي الضغط على الشركات

أحد أبرز العوامل التي أثقلت كاهل قطاع الخدمات خلال يونيو كان ارتفاع التكاليف التشغيلية، مع استمرار تأثير الأجور المرتفعة وأسعار النقل على هوامش الربحية. ورغم ظهور بعض المؤشرات على تراجع طفيف في ضغوط الأسعار، فإن مستويات التكاليف بقيت مرتفعة بما يكفي لإجبار الشركات على إعادة تقييم استراتيجيات التسعير والتوظيف.

وانخفض مؤشر تكاليف المدخلات إلى أدنى مستوى له منذ مارس، لكن هذا التراجع النسبي لم يكن كافياً لإزالة الضغوط عن الشركات. وفي الوقت نفسه، واصلت المؤسسات تمرير جزء من هذه التكاليف إلى العملاء، وإن بوتيرة أبطأ من الأشهر السابقة، وهي أبطأ وتيرة منذ فبراير.

هذا التوازن بين ارتفاع التكاليف وضعف الطلب يضع الشركات في موقف صعب: فإذا رفعت الأسعار كثيراً قد تخسر العملاء، وإذا امتصت التكاليف تتراجع أرباحها. لذلك، تبدو هوامش الربح في قطاع الخدمات مرشحة للبقاء تحت الضغط خلال الفترة المقبلة.

ثقة الأعمال وسوق العمل تحت الضغط

لم تقتصر الإشارات السلبية على النشاط والطلبات، بل امتدت أيضاً إلى توقعات الشركات للأشهر الاثني عشر المقبلة، إذ تراجعت الثقة إلى ثاني أدنى مستوى منذ أبريل 2025. وعلى الرغم من وجود بعض التفاؤل المرتبط بإمكانية تحسن البيئة الخارجية أو هدوء التوترات الجيوسياسية، فإن المزاج العام لدى الشركات بقي حذراً.

في سوق العمل، واصل القطاع فقدان الوظائف للشهر الحادي والعشرين على التوالي، وهي أطول موجة تراجع في التوظيف منذ عام 2010. ويعكس ذلك أن الشركات لا تزال تتعامل مع الطلب الضعيف عبر خفض التكاليف التشغيلية، وعلى رأسها النفقات المرتبطة بالعمالة.

ويحمل استمرار انكماش التوظيف دلالة مهمة على أن الضغوط لا تقتصر على النشاط القصير الأجل، بل تمتد إلى قرارات الموارد البشرية والاستثمار طويل الأمد، وهو ما قد يطيل أمد التباطؤ إذا لم يتحسن الطلب المحلي والخارجي.

مؤشرات الاقتصاد البريطاني إلى تباطؤ أوسع

لم يكن مؤشر الخدمات وحده الذي أظهر صورة فاترة. فقد جرى تعديل مؤشر مديري المشتريات المركب، الذي يضم أيضاً قطاع التصنيع، نزولاً إلى 49.3 نقطة من القراءة الأولية 49.4 نقطة، مسجلاً أضعف مستوى منذ أبريل 2025 وأقل من قراءة مايو البالغة 49.7 نقطة.

وتشير هذه الأرقام مجتمعة إلى أن الاقتصاد البريطاني أنهى الربع الثاني بزخم أضعف مما بدأه، مع اتساع رقعة الضغوط بين الخدمات والتصنيع وسوق العمل. كما أن استمرار التضخم في مسار أعلى من المستوى المريح للشركات والمستهلكين معاً يضيف طبقة جديدة من التعقيد أمام صناع القرار.

وبالنسبة إلى المستثمرين والمحللين، فإن هذه البيانات تعني أن الاقتصاد البريطاني قد يواجه مزيجاً غير مريح من النمو الضعيف والتكاليف المرتفعة، وهو ما يجعل آفاق التعافي في المدى القريب مرتبطة بتحسن الطلب وتراجع الضبابية في السياسات والظروف الخارجية.

ما الذي يعنيه ذلك للمرحلة المقبلة؟

تُظهر نتائج يونيو أن قطاع الخدمات البريطاني لم ينجح بعد في استعادة توازنه الكامل بعد بداية متقلبة للعام. وإذا استمرت الطلبات الجديدة في التراجع، وبقيت تكاليف العمالة والنقل مرتفعة، فقد يظل النشاط تحت الضغط خلال الربع الثالث أيضاً.

وفي الوقت نفسه، ستراقب الأسواق عن كثب أي مؤشرات على تحسن الثقة أو عودة الطلب المحلي، إلى جانب تطور البيئة التضخمية وأسعار الفائدة. أما حالياً، فتبدو الصورة العامة واضحة: قطاع الخدمات البريطاني، المحرك الأهم للاقتصاد، يدخل النصف الثاني من العام بزخم أضعف بكثير مما كان عليه في البداية.