17-Jul-2026 5 دقائق قراءة

تراجع الذهب بعد قمته القياسية مع تباطؤ الطلب وتغير محركات السوق

بعد موجة صعود قوية أوصلت الذهب إلى مستوى قياسي في يناير، بدأ المعدن النفيس يفقد جزءاً من مكاسبه مع تباطؤ مشتريات البنوك المركزية وتراجع الطلب الاستهلاكي في الصين والهند وانخفاض التدفقات إلى الصناديق المتداولة.

بعد صعود تاريخي دفع الذهب إلى مستويات غير مسبوقة في يناير، بدأ المعدن النفيس يفقد بعض زخمه مع تحوّل العوامل التي دعمت موجة الارتفاع السابقة. ورغم أن التراجع حتى الآن بقي محدوداً مقارنة بحجم القفزة التي سبقت ذلك، فإن السوق بات أكثر حساسية لتغيرات السياسة النقدية، وأسعار النفط، وتراجع الطلب الفعلي من كبار المشترين.

تُظهر حركة الأسعار خلال السنوات الماضية أن الارتفاعات القوية في الذهب غالباً ما تعقبها فترات تصحيح ملموسة. فالذهب لا يرتفع عادة بخط مستقيم، بل يدخل بعد موجات الصعود الكبيرة في مرحلة تهدئة قد تمتد لفترات أطول من زمن الصعود نفسه. وهذا النمط ظهر بوضوح في دورات سابقة، حين قفز السعر بقوة قبل أن يتراجع لاحقاً بنسب كبيرة نسبياً.

ومنذ القاع الذي سجله الذهب في سبتمبر 2022، انطلق في مسار صعودي حاد وصل به إلى أعلى مستوى تاريخي عند 5594.82 دولار للأونصة في 29 يناير. لكن الأسعار خفّت بعد ذلك بنحو 20% لتغلق عند 4473.89 دولار يوم الخميس، وهو هبوط لا يزال معتدلاً إذا ما قورن بحجم المكاسب السابقة. غير أن السؤال الأساسي في الأسواق لم يعد يتعلق فقط بمدى عمق التصحيح، بل بما إذا كانت القوى التي دعمت الارتفاع الكبير ما زالت قائمة بالزخم نفسه.

ثلاثة محركات دعمت الارتفاع السابق

المرحلة الصعودية الأخيرة جاءت نتيجة التقاء ثلاثة عوامل رئيسية في وقت واحد: ارتفاع مشتريات البنوك المركزية، وقوة الطلب الاستهلاكي في الصين والهند، وزيادة الإقبال الاستثماري على الذهب بوصفه ملاذاً آمناً في أوقات القلق.

في المعتاد، لا تتحرك هذه العوامل كلها في الاتجاه نفسه وبالسرعة ذاتها. لكن خلال الموجة الأخيرة، دعمت البنوك المركزية الطلب عبر تعزيز احتياطاتها، بينما واصل المستهلكون في أكبر سوقين للمجوهرات شراء الذهب، في حين انجذب المستثمرون إليه مع تصاعد المخاوف من التضخم والتوترات الجيوسياسية واحتمالات اهتزاز مكانة الدولار.

كما لعبت المخاوف المرتبطة بالسياسات الاقتصادية في الولايات المتحدة دوراً إضافياً في تعزيز الطلب، إذ دفعت بعض المستثمرين إلى التساؤل حول استدامة هيمنة العملة الأميركية على النظام المالي العالمي. هذه البيئة خلقت مزيجاً نادراً من العوامل الداعمة التي تحرك الذهب في اتجاه واحد لفترة طويلة نسبياً.

تباطؤ مشتريات البنوك المركزية

رغم أن البنوك المركزية ما زالت مشترياً مهماً للذهب، فإن وتيرة الشراء ظهرت أقل اندفاعاً في الأشهر الأخيرة. وأظهر تقرير ربع سنوي لمجلس الذهب العالمي أن البنوك المركزية اشترت 243.7 طناً في الربع الأول، بزيادة 3% فقط عن الفترة نفسها من العام الماضي. لكن الأهم أن وتيرة الشراء أخذت تستقر في نطاق يدور حول 200 طن فصلياً منذ بداية 2025، بعد ذروة لافتة بين منتصف 2022 ونهاية 2024 عندما تجاوزت المشتريات 300 طن في خمسة أرباع متتالية.

هذا التراجع النسبي لا يعني اختفاء الطلب المؤسسي، لكنه يشير إلى أن المحرك الذي كان يضيف دعماً قوياً للسوق لم يعد بالقوة نفسها. وعندما يتباطأ هذا النوع من الشراء، يصبح السعر أكثر عرضة للتقلب إذا ما تراجعت بقية مصادر الدعم في الوقت نفسه.

تراجع الطلب الاستهلاكي في الصين والهند

إلى جانب البنوك المركزية، ظهرت مؤشرات أضعف في أكبر سوقين استهلاكيين للذهب. فقد انخفض الطلب على المجوهرات في الصين إلى 85.2 طناً في الربع الأول، أي أقل 31% من الفترة المقابلة من 2025. كما هبط الطلب في الهند 19% إلى 66.1 طناً.

وعلى مستوى العالم، تراجع الطلب على المجوهرات 25% إلى 260.2 طن. والسبب الرئيس هنا واضح: الأسعار المرتفعة تجعل شراء الذهب أقل جاذبية للمستهلكين، سواء في الاستخدامات الزخرفية أو كأصل ادخاري. وكلما صعد السعر أكثر، زادت حساسية المستهلك النهائي، خصوصاً في الأسواق التي تمثل فيها المجوهرات جزءاً مهماً من الطلب الكلي.

وفي الهند تحديداً، اتخذت الحكومة خطوات إضافية للحد من الواردات عبر رفع الضرائب على الذهب المستورد، بهدف تقليص المشتريات وتخفيف الضغوط على ميزان المدفوعات. وهذه السياسة تجعل السوق المحلية أكثر برودة، وتضيف طبقة جديدة من الكبح أمام الطلب الفعلي.

انخفاض تدفقات الصناديق الاستثمارية

المستثمرون أيضاً أصبحوا أقل اندفاعاً. فقد هبطت التدفقات إلى صناديق الذهب المتداولة إلى 62 طناً في الربع الأول، بانخفاض 73% عن الفترة نفسها من 2025. وهذه نقطة مهمة لأن الصناديق المتداولة كانت خلال السنوات الأخيرة قناة رئيسية لضخ الأموال في المعدن النفيس، لا سيما عندما يسود القلق في أسواق الأسهم أو العملات أو السندات.

ومع تراجع هذه التدفقات، تقل قدرة الطلب المالي على تعويض الضعف في الاستهلاك الفعلي. وهذا يفسر لماذا أصبح التراجع السعري الحالي محدوداً حتى الآن، لكنه في الوقت نفسه قابل للتوسع إذا استمرت التدفقات في التباطؤ وبقيت العوامل الأخرى أقل دعماً.

وبصورة عامة، انخفض الطلب الكلي على الذهب 9% في الربع الأول من 2026 إلى 1195.9 طناً، مقارنة مع 1315.6 طناً في الفترة نفسها من العام الماضي. هذا الهبوط يؤكد أن السوق لم تعد تستند إلى قاعدة طلب قوية بالدرجة نفسها التي ساندت الموجة الصاعدة السابقة.

النفط والسياسة النقدية يعيدان تشكيل اتجاه السوق

أحد أبرز التطورات التي تؤثر حالياً في حركة الذهب هو ارتباطه المتزايد بتوقعات السياسة النقدية، ولا سيما مسار أسعار الفائدة في الولايات المتحدة. فالذهب لا يدر عائداً، ولذلك يميل عادة إلى الاستفادة عندما تنخفض الفائدة أو تتزايد التوقعات بتيسير نقدي. أما إذا ارتفعت الفائدة أو تراجعت احتمالات خفضها، فإن جاذبيته النسبية تضعف.

خلال الأسابيع الأخيرة، ظهر ارتباط عكسي ملحوظ بين الذهب وأسعار النفط. فعندما ارتفع النفط مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، تراجع الذهب. وعندما هبط النفط على خلفية آمال بتهدئة أو تسوية، تعافى الذهب نسبياً. السبب أن النفط يؤثر في توقعات التضخم، ومن ثم في حسابات أسعار الفائدة. ارتفاع النفط قد يدفع الأسواق إلى توقع بقاء الفائدة مرتفعة مدة أطول، بينما يرفع هبوطه احتمالات الخفض، وهو ما يدعم الأصول غير المدرة للعائد مثل الذهب.

بهذا المعنى، لم يعد الذهب يتحرك فقط بوصفه ملاذاً آمناً في مواجهة المخاطر، بل بات أيضاً رهينة لتحولات السياسة النقدية وتذبذبات أسواق الطاقة. وهذا التحول مهم لأنه يغيّر الطريقة التي يقرأ بها المستثمرون المعدن الأصفر، ويضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى توقعات الأسعار.

هل انتهت موجة الصعود؟

من السابق لأوانه القول إن صعود الذهب انتهى، لكن المؤشرات الحالية توحي بأن السوق دخلت مرحلة إعادة تسعير أكثر هدوءاً. فالقوى التي دفعت المعدن إلى القمة ما زالت موجودة جزئياً، لكنها لم تعد مجتمعة بالزخم نفسه. وعندما يتباطأ الشراء الرسمي، ويضعف الطلب الاستهلاكي، وتتراجع تدفقات الاستثمار، يصبح من الصعب على الأسعار مواصلة الارتفاع بالقوة السابقة.

في الوقت نفسه، أي تصعيد جديد في التوترات الجيوسياسية أو تبدل مفاجئ في توقعات الفائدة قد يعيد إشعال شهية الشراء. لذلك يبقى الذهب في موقع حساس، يتأرجح بين منطق التصحيح التاريخي الذي يشير إلى احتمال مزيد من التراجع، وبين واقع السوق الحالي الذي ما زال يبحث عن محركات جديدة تمنحه دفعة إضافية.

والخلاصة أن الذهب لم يفقد أهميته، لكنه انتقل من مرحلة الاندفاع المدفوع بالزخم المتزامن إلى مرحلة أكثر اعتماداً على السياسة النقدية والطاقة والمخاطر العالمية. وهذا وحده كافٍ لجعل الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان ما جرى مجرد استراحة في المسار الصاعد، أم بداية تصحيح أعمق بكثير.