تشير دراسة حديثة إلى أن البنوك المركزية حول العالم تعيد تقييم طريقة إدارة احتياطياتها الخارجية، مع ميل متزايد نحو تعزيز المراكز في الذهب وفتح الباب أمام عدد أكبر من العملات الاحتياطية البديلة للدولار الأمريكي.
ويعكس هذا التحول، بحسب نتائج الدراسة، مزيجا من القلق بشأن البيئة الجيوسياسية وتنامي المخاطر المرتبطة باستخدام العملة الأمريكية في النظام المالي الدولي، إضافة إلى توقعات بأن الاقتصاد العالمي يتحرك تدريجيا نحو بنية أكثر تعددية في مراكز القوة والتمويل.
الذهب يعود إلى صدارة الأولويات
الدراسة، التي أعدها مركز أومفيف للتحليل المالي، أظهرت أن الذهب لا يزال يحتفظ بمكانة محورية في استراتيجيات التحوط لدى البنوك المركزية. ففي ظل ارتفاع عدم اليقين العالمي، تبدو الأصول الملموسة أقل عرضة للتقلبات السياسية والقيود المالية من بعض الأدوات الأخرى.
وتعتمد العديد من المؤسسات السيادية على الذهب بوصفه أصلا يحافظ على قيمته في أوقات الاضطراب، وهو ما يفسر التخطيط لزيادة حصصه في الاحتياطيات خلال المرحلة المقبلة. وتأتي هذه التوجهات في وقت تتزايد فيه أسئلة الأسواق حول استدامة هيمنة الدولار على المدى الطويل.
اهتمام بعملات احتياطية أخرى
إلى جانب الذهب، أظهرت نتائج الاستطلاع أن بعض البنوك المركزية تدرس توسيع انكشافها على عملات مثل الجنيه الإسترليني والكرونة النرويجية والدولار النيوزيلندي. ويشير هذا التوجه إلى رغبة في تنويع سلة الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على أصل واحد أو سوق واحدة.
التنويع في هذا السياق لا يعني بالضرورة التخلي عن الدولار، لكنه يعكس سعيا إلى توزيع المخاطر بين أدوات مختلفة، خصوصا مع تزايد التقلبات في أسعار الفائدة والسياسات النقدية وتغيرات التجارة العالمية. كما أن تعدد العملات الاحتياطية يمنح البنوك المركزية مرونة أكبر في إدارة السيولة والتدخل عند الحاجة.
مؤشرات من مؤسسات تدير أصولا ضخمة
شارك في الدراسة 90 بنكا مركزيا، إلى جانب صناديق تقاعد حكومية وصناديق ثروة سيادية تدير مجتمعة أصولا تبلغ نحو 10 تريليونات دولار. ويمنح هذا الحجم من المشاركين وزنا خاصا للنتائج، لأنها تعكس آراء مؤسسات تتعامل مباشرة مع إدارة المخاطر طويلة الأجل وحماية القيمة الشرائية للأصول العامة.
وبالنسبة لهذه الجهات، لم تعد إدارة الاحتياطيات تقتصر على تحقيق العائد، بل أصبحت ترتبط أيضا بالاستقرار المالي، والقدرة على الصمود أمام الصدمات، والتكيف مع تغيرات النظام النقدي العالمي. لذلك فإن أي تحول في تفضيلات هذه المؤسسات يمكن أن يترك أثرا أوسع على أسواق الذهب والعملات وأدوات الدين.
الذكاء الاصطناعي يدخل العمليات التشغيلية
الدراسة لفتت أيضا إلى بعد تقني مهم، إذ قال أكثر من ثلثي البنوك المركزية المشاركة إنها تخطط لتوسيع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في أعمالها خلال السنوات المقبلة. ويشمل ذلك مجالات متعددة مثل تحليل البيانات، ورصد المخاطر، وتحسين الكفاءة التشغيلية، ودعم اتخاذ القرار.
هذا الاتجاه يعكس التحول الرقمي المتسارع داخل المؤسسات المالية السيادية، حيث أصبحت كميات البيانات الكبيرة والتغيرات السريعة في الأسواق تتطلب أدوات تحليل أكثر تقدما. كما أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد هذه المؤسسات على الاستجابة بشكل أسرع للتقلبات في أسعار الصرف والعوائد والطلب على السيولة.
تقليص الاعتماد على الدولار يتسع
تأتي هذه التطورات في سياق أوسع يشهد محاولات من دول عدة لزيادة استخدام عملاتها الوطنية في التجارة الخارجية وتقليص الاعتماد على الدولار. وتزداد هذه التوجهات مع ارتفاع مستويات الدين العام الأمريكي، وتوسع استخدام العقوبات المالية في السياسة الدولية، وهو ما يدفع بعض الحكومات إلى البحث عن بدائل تقلل تعرضها للمخاطر المرتبطة بعملة الاحتياط الرئيسية.
وفي هذا الإطار، يبدو أن الحديث لم يعد يقتصر على إعادة توزيع بسيطة داخل المحافظ الاحتياطية، بل على إعادة تشكيل تدريجية لفكرة الأمان المالي نفسها. فالمؤسسات السيادية باتت تمنح أولوية أكبر للعوامل السياسية والمؤسسية، وليس فقط لعائد السندات أو حجم السوق.
ما الذي يعنيه ذلك للأسواق العالمية؟
إذا استمر هذا الاتجاه، فقد يشهد سوق الذهب دعما إضافيا من الطلب الرسمي، بينما قد تتسع أيضا دائرة الاهتمام ببعض العملات المتوسطة الحجم التي تتمتع باستقرار نسبي وسياسات نقدية موثوقة. وفي الوقت نفسه، قد يواجه الدولار تحديا أبطأ لكنه أوسع نطاقا يتمثل في تراجع الاعتماد الحصري عليه داخل الاحتياطيات الرسمية.
أما على مستوى الاقتصاد الرقمي، فإن دخول الذكاء الاصطناعي إلى عمليات البنوك المركزية قد يسرع تحديث البنية التشغيلية داخل هذه المؤسسات، ويزيد الاعتماد على النماذج التحليلية المتقدمة في متابعة الأسواق وإدارة المخاطر. وهذا يربط بين التحول في الاحتياطيات والتحول في أدوات الإدارة المالية نفسها.
وبينما لا يشير التقرير إلى تغيير فوري في موازين النظام النقدي العالمي، فإنه يقدم دليلا على أن المؤسسات الأكثر تحفظا في العالم باتت تستعد لمرحلة أكثر تنوعا وأقل اعتمادا على مركز واحد للنفوذ المالي.