سجّلت أسعار النفط قفزة قوية في بداية الأسبوع، مع عودة التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران إلى صدارة المشهد، ما أعاد المخاوف من اضطراب تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات حساسية في تجارة النفط والغاز المسال عالمياً.
التحرك السعري جاء سريعاً ومباشراً: عقود خام برنت ارتفعت بأكثر من 4 في المائة، كما صعد خام غرب تكساس الوسيط بالنسبة نفسها تقريباً. ورغم أن الزيادة لم تصل إلى مستوى الذروة التي قد تعكس هلعاً واسعاً في السوق، فإنها كانت كافية لإظهار مدى حساسية المتعاملين لأي مؤشرات على تهديد الإمدادات في المنطقة.
ممر حيوي يحدد اتجاه السوق
مضيق هرمز ليس مجرد نقطة عبور جغرافية، بل يمثل محوراً رئيسياً في أمن الطاقة العالمي. وقبل اندلاع الحرب في المنطقة أواخر فبراير، كانت نحو 20 في المائة من تجارة النفط العالمية، إضافة إلى جزء مهم من شحنات الغاز الطبيعي المسال، تمر عبر هذا الممر. لذلك فإن أي تعطيل فعلي أو حتى تهديد متكرر للملاحة ينعكس فوراً على الأسعار وتوقعات الإمداد.
في هذا السياق، أشارت بيانات تتبع السفن إلى أن عدد الناقلات العابرة للمضيق تراجع بشكل واضح، وهو ما يعكس حذر شركات الشحن والمشترين على حد سواء. وعندما تنخفض حركة العبور إلى مستويات محدودة، تصبح السوق أكثر حساسية لأي خبر سياسي أو عسكري جديد، حتى لو لم يتطور الأمر إلى إغلاق كامل للممر.
تصعيد عسكري يعيد تسعير المخاطر
تجددت الضربات المتبادلة بين القوات الأميركية والإيرانية، حيث أعلنت واشنطن تنفيذ موجة جديدة من الهجمات على أهداف داخل إيران باستخدام ذخائر دقيقة، بينما رد الحرس الثوري الإيراني بالإعلان عن استهداف قواعد أميركية في الكويت والبحرين. هذا التصعيد زاد الضبابية بشأن مستقبل الهدنة المؤقتة التي كانت قد سمحت بإعادة فتح المضيق جزئياً.
كما أثارت التطورات الأخيرة شكوكاً حول قدرة التفاهمات السياسية المؤقتة على الصمود، خصوصاً أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه الشهر الماضي كان يهدف إلى منح المفاوضات وقتاً إضافياً مع الإبقاء على الممر البحري مفتوحاً. ومع تزايد الهجمات، بدت الأسواق وكأنها تعيد تسعير احتمال تعثر أي حل سريع.
الأسواق توازن بين الخطر والهدوء النسبي
رغم الارتفاع الملحوظ في أسعار الخام، لم تتحول الحركة إلى موجة ذعر كاملة. ويرى بعض المحللين أن السوق تتعامل مع ما يحدث باعتباره تصعيداً داخل هدنة هشة، لا انهياراً نهائياً لوقف إطلاق النار. هذا التفسير يفسر جزئياً لماذا جاءت الزيادة قوية لكن ليست حادة إلى درجة تعكس قفزة أكبر في التسعير.
في مذكرة بحثية، رجّح محللون أن الآمال في تسوية سريعة قد تراجعت مع اتساع التوتر خلال عطلة نهاية الأسبوع، لكنهم أشاروا أيضاً إلى أن المتعاملين لم يقتنعوا بعد بأن الإمدادات ستتعطل على نطاق واسع. بعبارة أخرى، السوق ترفع علاوة المخاطر، لكنها لا تفترض حتى الآن سيناريو انقطاع شامل وطويل الأمد.
انعكاسات مباشرة على الأسهم والعملات
الارتباك في أسواق الطاقة امتد سريعاً إلى الأسهم الآسيوية، التي تراجعت على نطاق واسع مع صعود أسعار النفط وتجدد المخاوف من ارتفاع التضخم العالمي. كما هبطت المؤشرات الصينية، وقادت شركات الدفاع والمعادن الأرضية النادرة الخسائر، في حين تراجعت أسهم التكنولوجيا بعد موجة مكاسب قوية سابقة.
في أسواق العملات، استفاد الدولار الأميركي من عودة الطلب على الأصول الآمنة ومن ارتفاع عوائد السندات الأميركية. كما تأثر اليورو سلباً لأن أوروبا أكثر اعتماداً على واردات الطاقة مقارنة بالولايات المتحدة، ما يجعل أي ارتفاع في أسعار النفط عبئاً أكبر على اقتصادها ومؤشراتها التضخمية.
أما الذهب، فتراجع مع صعود العوائد الأميركية، إذ يميل المستثمرون إلى تقليص الإقبال على الأصول التي لا تمنح عائداً مباشراً عندما ترتفع عوائد السندات. وهذا يوضح كيف أن صدمة النفط لا تبقى محصورة في سوق السلع، بل تتحول إلى عامل مؤثر في توزيع السيولة بين فئات الأصول المختلفة.
الضغط على توقعات الفائدة والتضخم
الارتفاع المفاجئ في أسعار الطاقة يضيف طبقة جديدة من التعقيد أمام البنوك المركزية، وفي مقدمتها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي. فمع أن الأسواق كانت تترقب تباطؤ التضخم خلال يونيو، فإن عودة النفط إلى الصعود قد تقلل من أثر انخفاض الوقود وتعيد بعض الضغوط السعرية إلى واجهة النقاش.
انعكس ذلك في تراجع رهانات المستثمرين على خفض قريب لأسعار الفائدة. كما ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية القصيرة الأجل، ما يشير إلى أن الأسواق بدأت تتعامل مع احتمال بقاء السياسة النقدية أكثر تشدداً لفترة أطول إذا استمرت أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة.
النفط بين عامل جيوسياسي ومحرك اقتصادي
التحرك الأخير في أسواق الخام يبرز مرة أخرى أن النفط ما زال سلعة جيوسياسية بامتياز، وليس مجرد مدخل إنتاج تقيسه النماذج الاقتصادية التقليدية. فعندما تتداخل الإمدادات مع السياسة والأمن البحري، تصبح الأسعار أسرع استجابة للأحداث من استجابتها لمعادلات العرض والطلب وحدها.
وإذا استمرت التوترات حول مضيق هرمز، فقد تشهد الأسواق مزيداً من التذبذب في الأيام المقبلة، ليس فقط في النفط، بل أيضاً في الأسهم والديون والعملات. أما إذا هدأت المواجهة، فقد يتراجع جزء من علاوة المخاطر التي تسعّرها الأسواق حالياً، لكن ذلك يبقى مرتبطاً بسرعة احتواء التصعيد ومدى استقرار حركة الشحن في الممر الحيوي.
في المحصلة، تبدو الأسواق الآن في وضع مراقبة حذر: النفط يرتفع لأن الخطر ارتفع، والمستثمرون يعيدون تقييم كل شيء من التضخم إلى الفائدة، مروراً بالأصول الدفاعية والأكثر حساسية للدورات الاقتصادية. وما سيحدث لاحقاً سيعتمد بدرجة كبيرة على ما إذا كانت الأزمة ستبقى ضمن حدود التصعيد المحدود، أم ستتوسع لتؤثر في الإمدادات على نطاق أوسع.