06-Jul-2026 5 دقائق قراءة

الدولار يواصل صعوده مع ترسخ رهانات الفائدة المرتفعة وترقب بيانات التضخم الأميركية

حافظ الدولار الأميركي على زخمه الصعودي مقترباً من أكبر مكاسب شهرية له منذ نحو عام، مدعوماً بتوقعات بقاء أسعار الفائدة الأميركية مرتفعة وتزايد الثقة في قوة الاقتصاد الأميركي، بينما تترقب الأسواق بيانات التضخم الأساسية بحثاً عن إشارات جديدة على مسار السياسة النقدية.

زخم صعودي مدفوع بتوقعات السياسة النقدية

واصل الدولار الأميركي تقدمه خلال تعاملات الخميس، محافظاً على مسار صعودي يجعله قريباً من تسجيل أكبر مكاسبه الشهرية منذ نحو عام. ويأتي هذا الأداء في وقت تعيد فيه الأسواق تسعير توقعاتها بشأن السياسة النقدية الأميركية، مع اتساع الرهان على بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، بل واحتمال رفعها مجدداً قبل نهاية العام.

هذا التحول في المزاج الاستثماري يعكس قناعة متزايدة بأن الاقتصاد الأميركي ما زال يظهر قدراً أكبر من المتانة مقارنة بعدد من الاقتصادات الكبرى الأخرى. كما أن استمرار الرسائل المتشددة من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي عزز شهية المستثمرين لشراء الدولار، باعتباره الأصل الذي يستفيد عادةً من اتساع الفجوة في العوائد بين الولايات المتحدة وبقية الأسواق الرئيسية.

وفي الأسواق الفورية، لامس الدولار أعلى مستوى له في 13 شهراً أمام اليورو، قبل أن يستقر قرب تلك المستويات. كما بقي قريباً من أعلى مستوياته في أكثر من أربعة عقود مقابل الين الياباني، في إشارة إلى استمرار الضغط على العملة اليابانية في ظل الفوارق الواسعة في السياسة النقدية بين طوكيو وواشنطن.

العملات الرئيسية تحت الضغط

لم يقتصر أثر قوة الدولار على اليورو والين، بل امتد أيضاً إلى الجنيه الإسترليني والفرنك السويسري، حيث سجلت العملة الأميركية مستويات مرتفعة أمامهما خلال الجلسة. وفي الوقت نفسه، تعرض الدولار الأسترالي والنيوزيلندي لضغوط إضافية نتيجة ضعف الإقبال على الأصول عالية المخاطر، مع استمرار التقلب في أسواق الأسهم والقلق من اتجاهات السياسة النقدية العالمية.

وتراجع الدولار الأسترالي خلال الأسبوع بنحو 1.8 في المائة ليستقر قرب 0.69 دولار أميركي، بينما انخفض الدولار النيوزيلندي بنحو 1.7 في المائة خلال الفترة نفسها ليستقر عند 0.5646 دولار أميركي. وتُظهر هذه التحركات أن المستثمرين يفضلون حالياً الأصول الأكثر أماناً، في ظل ضبابية المشهد الاقتصادي وتزايد حساسية الأسواق لأي بيانات جديدة عن التضخم أو الفائدة.

أما الين الياباني، فيبقى في موقع هش، إذ يقترب الدولار من مستوى 162 يناً، وهو نطاق يراه بعض المتعاملين محفزاً محتملاً لتدخل رسمي من اليابان في سوق الصرف. ومع تراكم مراكز البيع على الين في السوق، قد يترك أي تحرك حكومي أثراً واضحاً على اتجاهات التداول قصيرة الأجل.

العوائد الأميركية تعيد تشكيل المشهد

أحد أبرز العوامل التي تدعم الدولار حالياً هو تحرك عوائد سندات الخزانة الأميركية صعوداً، خصوصاً السندات لأجل عامين التي تعكس عادةً توقعات السياسة النقدية بشكل مباشر. فمنذ بداية مايو، ارتفعت هذه العوائد بنحو 27 نقطة أساس لتصل إلى 4.15 في المائة، في حين تراجعت عوائد السندات الألمانية المماثلة بنحو 7 نقاط أساس إلى 2.56 في المائة.

كما اتسعت الفجوة بين عوائد السندات الأميركية والألمانية لأجل عشر سنوات بأكثر من 20 نقطة أساس خلال الفترة ذاتها، لتتجاوز 150 نقطة أساس لمصلحة الولايات المتحدة. وهذا الاتساع يعزز جاذبية الأصول المقومة بالدولار، ويدفع رؤوس الأموال العالمية إلى إعادة التمركز نحو السوق الأميركية بحثاً عن عائد أعلى.

ويرى استراتيجيون في أسواق العملات أن هذا النمط من التدفقات لا يرتبط فقط بدورات الفائدة، بل أيضاً بتفوق أوسع للاقتصاد الأميركي من حيث الإنتاجية والنمو والأرباح. كما أن التطورات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي توفر، بحسب بعض التقديرات، دعماً إضافياً للإنتاجية والاستثمار والطلب على الأصول الأميركية.

ترقب لبيانات التضخم الأساسية

تركز الأسواق الآن على صدور مؤشر الإنفاق الاستهلاكي الشخصي الأساسي لشهر مايو، وهو المقياس المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي لمتابعة التضخم. وتكتسب هذه البيانات أهمية كبيرة لأنها قد تحدد ما إذا كان البنك المركزي سيبقي على نبرته المتشددة لفترة أطول، أو سيبدأ في تهيئة الأسواق لمسار أكثر مرونة لاحقاً.

ورغم توقعات بارتفاع المؤشر، فإن بعض المتعاملين يعتقدون أن تراجع أسعار النفط إلى مستويات ما قبل الحرب قد يخفف الضغوط التضخمية في الأشهر المقبلة. لكن حتى الآن، لا يبدو أن هذه التطورات كافية لإزاحة الرهانات على استمرار الفائدة المرتفعة، خاصة في ظل مؤشرات الصلابة التي تظهرها البيانات الاقتصادية الأميركية الأخيرة.

في هذا السياق، قال محللون إن استمرار صعود الدولار يتطلب اتساعاً إضافياً في فروق العوائد، إلا أن الطلب القوي من الشركات والمؤسسات الاستثمارية لا يزال يمنحه دعماً مرحلياً. كما أن المضاربين والعوامل الفنية يضيفون طبقة أخرى من الزخم الصعودي، ولو أن هذه الديناميكية قد تخف لاحقاً إذا تراجعت الفجوات في العوائد أو تبدلت توقعات النمو.

تأثيرات واسعة على الأصول والسلع

أدى صعود الدولار إلى ضغوط لافتة على مجموعة من الأصول، إذ تراجع الذهب مؤقتاً إلى ما دون 4000 دولار للأوقية للمرة الأولى منذ أكثر من سبعة أشهر. كما هبطت عملة البتكوين إلى ما دون 60 ألف دولار للمرة الأولى منذ عام 2024، في انعكاس مباشر لارتفاع تكلفة الاحتفاظ بالأصول غير المدرة للعائد عندما تقوى العملة الأميركية وترتفع الفائدة.

ويؤثر الدولار القوي عادةً في شهية المستثمرين تجاه السلع المقومة به، لأن ارتفاع قيمته يجعل شراء هذه السلع أكثر كلفة لحائزي العملات الأخرى. وفي الوقت نفسه، قد يضغط على الأسواق الناشئة والشركات التي تعتمد على التمويل الدولاري أو على مبيعات خارجية مقومة بعملات أضعف.

ومع استمرار هذا الاتجاه، يبقى السؤال الأساسي في الأسواق: هل يمثل صعود الدولار بداية موجة أطول مدعومة بتفوق اقتصادي حقيقي، أم مجرد حلقة مؤقتة تعكس تمركزات المضاربة واتساع رهانات الفائدة؟ الإجابة، على الأرجح، ستتضح أكثر مع صدور بيانات التضخم الأميركية المقبلة، ومع ما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي سيواصل إرسال إشارات تشدد إضافية خلال الأشهر القادمة.