18-Jul-2026 4 دقائق قراءة

الذهب يهبط دون 4 آلاف دولار مع صعود الدولار وتوقعات التشديد النقدي

تراجعت أسعار الذهب الفوري إلى ما دون 4 آلاف دولار للأوقية للمرة الأولى منذ نوفمبر 2025، وسط قوة الدولار الأميركي وتزايد رهانات الأسواق على مزيد من التشديد النقدي من جانب الاحتياطي الفيدرالي.

الذهب يفقد مستوى 4 آلاف دولار

سجلت أسعار الذهب الفوري تراجعاً يقارب 1 في المائة لتستقر عند 3962.11 دولار للأوقية، لتكسر حاجز 4000 دولار للمرة الأولى منذ نوفمبر 2025. ويعكس هذا الهبوط تحولاً في مزاج الأسواق التي كانت تستفيد في الأشهر الماضية من الطلب على الملاذات الآمنة، قبل أن تضغط عليها رهانات السياسة النقدية الأميركية وتغير اتجاهات العملة الخضراء.

ويأتي هذا التراجع في وقت يتعامل فيه المستثمرون مع مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها صعود الدولار الأميركي، وتوقعات بأن يبقى الاحتياطي الفيدرالي متمسكاً بنهج متشدد لفترة أطول. وبالنسبة للذهب، فإن ارتفاع الدولار يعني عملياً زيادة كلفته على المشترين من خارج الولايات المتحدة، وهو ما يضعف الطلب ويزيد الضغوط على الأسعار.

الدولار الأقوى يرفع كلفة الشراء

واصل الدولار الأميركي مكاسبه لليوم الثالث على التوالي، ليبلغ أعلى مستوى له في 13 شهراً. هذا الأداء عزز الضغوط على المعادن النفيسة المقومة بالدولار، لأن المستثمرين الذين يشترون بالعملات الأخرى يحتاجون إلى دفع قيمة أعلى نسبياً لشراء الأوقية نفسها.

وتسعر الأسواق حالياً نحو ثلاث خطوات محتملة من جانب الفيدرالي خلال هذا العام، مع تقدير فرصة تقارب 67 في المائة لرفع جديد في سبتمبر، وفق أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي». هذه التوقعات تبقي العائد الحقيقي على الأصول البديلة أكثر جاذبية مقارنة بالذهب، الذي لا يدر فائدة، ما يحد من فرص عودته السريعة إلى الصعود.

وفي مثل هذا السياق، تميل المحافظ الاستثمارية إلى إعادة توزيع مراكزها بين السندات والدولار والمعادن الثمينة، وهو ما يخلق تقلبات حادة في أسعار الذهب كلما تغيرت توقعات الفائدة أو البيانات الاقتصادية الأميركية.

التركيز على بيانات التضخم الأميركية

تترقب الأسواق صدور بيانات نفقات الاستهلاك الشخصي لشهر مايو، وهو المؤشر المفضل لدى الفيدرالي لقياس التضخم. وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة لأنها قد تقدم إشارات أوضح حول ما إذا كان البنك المركزي الأميركي سيواصل نهجه المتشدد أو يبدأ في تليين موقفه لاحقاً.

كما ينتظر المستثمرون سلسلة بيانات أخرى تشمل القراءة النهائية للناتج المحلي الإجمالي للربع الأول وطلبات إعانة البطالة الأسبوعية. وتؤثر هذه المؤشرات مجتمعة في تقييم قوة الاقتصاد الأميركي، وبالتالي في احتمالات مسار الفائدة المقبل، وهي العوامل التي تحدد بدورها اتجاهات الذهب والفضة والبلاتين وغيرها من المعادن.

ويرى محللون أن أي مفاجأة تصاعدية في التضخم أو في متانة سوق العمل قد تعزز الضغوط على الذهب أكثر، بينما قد تمنحه أرقام أضعف من المتوقع دعماً مؤقتاً عبر تهدئة التوقعات بشأن الفائدة.

المعادن النفيسة الأخرى تتحرك في الاتجاه نفسه

امتدت الضغوط إلى بقية المعادن النفيسة، إذ تراجعت الفضة الفورية بنسبة 0.2 في المائة لتسجل 57.33 دولار للأوقية، كما خسر البلاتين النسبة نفسها ليصل إلى 1575.85 دولار. وفي المقابل، حقق البالاديوم ارتفاعاً طفيفاً بلغ 0.3 في المائة ليستقر عند 1170.25 دولار.

وتظهر هذه التحركات أن السوق لا تتعامل مع الذهب وحده كأصل مستقل، بل ضمن حزمة أوسع تتأثر جميعها بقوة الدولار، وبتوقعات العائد على الأصول المالية الأخرى، وبمستويات المخاطرة في الاقتصاد العالمي. لذلك فإن تزامن الضغوط على الذهب مع تراجع الفضة والبلاتين يعكس اتجاهاً عاماً في سوق المعادن أكثر من كونه حركة معزولة.

السياسة النقدية تبقى المحرك الرئيسي

تظل السياسة النقدية العامل الأكثر تأثيراً في مسار الذهب خلال المرحلة الحالية. فكلما تعززت الفرضية بأن أسعار الفائدة الأميركية ستبقى مرتفعة أو ستشهد زيادات إضافية، زادت كلفة الاحتفاظ بالذهب مقارنة بالأدوات التي تدر عائداً. كما أن صعود الدولار غالباً ما يكون نتيجة مباشرة لتلك التوقعات، ما يضيف طبقة ثانية من الضغط على المعدن الأصفر.

في المقابل، لا يزال الذهب يحتفظ بدوره التقليدي كأداة تحوط ضد الاضطرابات الجيوسياسية والتقلبات الاقتصادية. لكن هذا الدور يصبح أقل تأثيراً عندما يطغى عامل العائد النقدي على حسابات المستثمرين. ومن هنا، تبدو الأشهر المقبلة مرتبطة بدرجة كبيرة بتطورات التضخم الأميركي، ورسائل الفيدرالي، واتجاهات العملة الأميركية، أكثر من ارتباطها بأي عامل منفرد آخر.

وبينما عاد الذهب إلى ما دون 4000 دولار للأوقية، يبقى السؤال الأساسي في الأسواق هو ما إذا كان هذا الهبوط بداية لتصحيح أوسع، أم مجرد استراحة مؤقتة قبل إعادة اختبار مستويات أعلى إذا تغيرت توقعات الفائدة أو تباطأ الدولار.