18-Jul-2026 4 دقائق قراءة

صندوق النقد الدولي يحذر البنوك المركزية من المبالغة في الاعتماد على الذهب

حذّر صندوق النقد الدولي من الإفراط في اعتبار الذهب بديلاً كاملاً للأصول الأجنبية السائلة لدى البنوك المركزية، موضحاً أن الارتفاع الكبير في قيمته داخل الاحتياطيات يعود في معظمه إلى مكاسب الأسعار لا إلى زيادة مادية كبيرة في الكميات المملوكة. كما دعا إلى التعامل مع الذهب كأصل استثماري طويل الأجل، لا كعنصر رئيسي في شرائح السيولة الدفاعية.

تحذير من تضخيم دور الذهب

أعاد صندوق النقد الدولي فتح النقاش حول الدور الذي يلعبه الذهب في احتياطيات البنوك المركزية، في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية تحولات حادة دفعت كثيراً من المؤسسات النقدية إلى زيادة رهاناتها على المعدن النفيس. ووفقاً للتقرير التحليلي، فإن القفزة الظاهرة في وزن الذهب داخل الاحتياطيات لا تعكس بالضرورة موجة شراء مادية واسعة، بل ترتبط بدرجة كبيرة بارتفاع الأسعار في الأسواق الدولية.

ويحذّر الصندوق من النظر إلى الذهب باعتباره بديلاً كاملاً للأصول الأجنبية السائلة، لأن هذه المقاربة قد تمنح صانعي السياسات انطباعاً مضللاً عن قوة المراكز الخارجية. فالقيمة الدفترية المرتفعة لا تعني بالضرورة قدرة موازية على التسييل السريع أو الاستخدام الفوري في الدفاع عن العملة أو سداد الالتزامات الدولية.

وبحسب الأرقام الواردة في التحليل، ارتفعت حصة الذهب النقدي في ميزانيات البنوك المركزية من 10 في المائة في يناير 2019 إلى أكثر من 22 في المائة بحلول أغسطس 2025. غير أن الصندوق يشير إلى أن هذا الارتفاع لا يعكس نمواً مماثلاً في الكمية الفعلية المخزنة من المعدن، بل ثمرة مباشرة لارتفاعات سعرية تاريخية.

الفارق بين الكمية والقيمة

يكشف التقرير عن مفارقة مهمة في طريقة قراءة احتياطيات الذهب. فبين عامي 2018 و2025، ارتفعت القيمة السوقية الإجمالية لحيازات البنوك المركزية بنحو 3.2 تريليون دولار لتصل إلى 4.5 تريليون دولار، أي بزيادة تقارب 268 في المائة. لكن الحجم المادي الفعلي للذهب لم يرتفع إلا بنحو 8.5 في المائة، ما يعني أن الجزء الأكبر من المكاسب جاء من إعادة تقييم الموجودات لا من شراء سبائك جديدة.

ويذهب الصندوق أبعد من ذلك عندما يوضح أن نحو ثلثي الزيادة في القيمة الصافية جاءت من جهات لم تغيّر كميات الذهب لديها، وإنما استفادت ببساطة من صعود الأسعار. أما البنوك المركزية التي نفذت مشتريات فعلية، فقد رفعت أحجام حيازاتها بنسبة 36 في المائة، وغالباً بدافع تنويع الأصول وليس لأن الإنتاج المحلي يفرض عليها الاحتفاظ بالمعدن.

هذا الفارق بين القيمة والكمية مهم للغاية عند تقييم متانة الاحتياطيات الدولية. فالأصل الذي يبدو أكبر حجماً على الورق قد لا يوفر الميزة نفسها في ظروف السوق المتقلبة، خصوصاً إذا انخفضت الأسعار بشكل حاد أو إذا احتاجت الدولة إلى سيولة عاجلة في وقت قصير.

الذهب ليس ملاذاً مطلقاً

يعترف صندوق النقد الدولي بأن الذهب يحتفظ ببعض الخصائص الدفاعية، خصوصاً في مواجهة تقلبات أسعار الفائدة أو تراجع الدولار الأميركي. لكنه في الوقت نفسه يرفض تصويره كملاذ آمن مطلق يتفوق على جميع الأصول الأخرى في كل البيئات الاقتصادية.

وبحسب التحليل، تغيرت طبيعة الصدمات التي تواجه الأسواق منذ جائحة كوفيد-19. ففي فترات سابقة كانت التراجعات الاقتصادية تقود عادة إلى خفض الفائدة الحقيقية، وهو ما يدعم الذهب. لكن منذ عام 2022، أصبحت الصدمات مرتبطة أكثر بالتشديد النقدي وضغوط التضخم من جانب العرض، وهي بيئة تميل إلى رفع العوائد الحقيقية وتضغط على أسعار الذهب بدلاً من دعمها.

كما يشير الصندوق إلى أن التقديرات الإحصائية لعوائد الذهب خلال الأزمات الكبرى لا تظهر أداءً ثابتاً أو متفوقاً في كل الحالات. فالتقلبات الحادة في الأسواق، وارتفاع مؤشر الخوف، والصدمات الجيوسياسية، لا تمنح المعدن أصالةً مطلقة كأداة تحوّط، بل تجعله أحياناً قريباً من أصول أخرى في سلوكه السعري.

السيولة والتخزين والعقوبات

يرى التقرير أن سوق الذهب العالمي يتمتع بسيولة عميقة، إذ تبلغ التداولات اليومية في لندن وحدها نحو 134 مليار دولار في المتوسط. ومع ذلك، يؤكد الصندوق أن سيولة السوق لا تعني أن الذهب أصل سهل الاستخدام في كل الظروف، لأن القدرة على البيع الفوري تختلف عن القيمة الدفترية المحسوبة داخل ميزانية البنك المركزي.

ولهذا السبب، يوصي التقرير بالفصل بين الذهب المخصص للاستثمار طويل الأجل والاحتياطيات المخصصة للدفاع السريع عن العملة الوطنية. فالمعدن النفيس، في نظر الصندوق، لا ينبغي أن يشكل جزءاً أساسياً من شريحة السيولة التشغيلية التي تعتمد عليها السلطات النقدية عند الطوارئ.

ويطرح التقرير أيضاً معضلة التخزين. فمن جهة، يحتفظ الذهب بجاذبيته لأنه لا يمثل التزاماً على دولة أجنبية، ما يجعله أقل عرضة لمخاطر العقوبات أو تجميد الأصول. ومن جهة أخرى، فإن تخزينه داخل الخزائن المحلية يقلل من القدرة على تسييله سريعاً واستخدامه في التدخل بسوق الصرف أو تسوية المدفوعات الدولية. وهكذا يصبح الأصل آمناً من جهة، لكنه أقل مرونة من جهة أخرى.

وانطلاقاً من هذه المعادلة، يقترح الصندوق تطبيق نسب خصم تتراوح بين 6 في المائة و12 في المائة على القيمة السوقية للذهب عند احتساب كفاية الاحتياطيات في مواجهة الصدمات القصوى. ويعد هذا الخصم أعلى من الخصم المطبق على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات، ما يعكس نظرته إلى الفارق بين السهولة المحاسبية والقدرة التشغيلية.

مخاطر برامج الشراء المحلي

ينتقل التقرير إلى نقطة أكثر حساسية تتعلق ببرامج الشراء المحلي للذهب، خصوصاً تلك التي تستهدف الذهب غير النقدي مباشرة من المناجم أو من المنقبين الصغار. ويصف الصندوق هذه البرامج بأنها أقرب إلى أنشطة شبه مالية، لأنها تخرج عن الدور الأساسي للبنك المركزي المتمثل في الاستقرار النقدي والمالي.

ويحذر التقرير من أن هذه البرامج قد تفتح الباب أمام تحديات في الحوكمة والنزاهة المالية، خاصة إذا لم تخضع لرقابة صارمة في ما يتعلق بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. كما أنها تفرض أعباء إضافية على الميزانيات العمومية للبنوك المركزية، بسبب تكاليف الفحص والتصفية والنقل والتأمين والحصول على اعتمادات معيارية دولية.

وتبرز مخاطر أخرى مرتبطة بالسياسة النقدية نفسها. فشراء الذهب محلياً يضخ سيولة جديدة بالعملة الوطنية في الاقتصاد، ما يؤدي إلى توسيع القاعدة النقدية. وإذا لم تكن لدى البنك المركزي الأدوات الكافية لامتصاص هذه السيولة، فقد يصبح التحكم في التضخم أكثر صعوبة، أو يضطر إلى بيع النقد الأجنبي لاحتوائها، وهو ما يغير بنية الاحتياطيات بطريقة غير مدروسة.

رسالة الصندوق إلى صانعي السياسات

الخلاصة التي يخرج بها تقرير صندوق النقد الدولي واضحة: الذهب يظل أصلاً مهماً في إدارة الاحتياطيات، لكنه ليس حلاً سحرياً ولا بديلاً دائماً عن الأصول السائلة عالية الجودة. فالقيمة المتضخمة في الميزانيات لا تعني تلقائياً قوة أكبر في إدارة الأزمات، خصوصاً إذا كانت هذه القيمة ناتجة عن ارتفاع الأسعار وليس عن توسع فعلي في الحيازة.

ومن هذا المنطلق، يدعو الصندوق إلى اعتماد أطر أكثر صرامة في توزيع الأصول الاستراتيجية، بحيث يجري التعامل مع الذهب ضمن حدود واضحة ووفق اعتبارات السيولة والمخاطر والحوكمة. كما يحث على تجنب تحويل الاحتياطيات إلى أداة دعم محلي أو وسيلة للاستجابة لضغوط سياسية قصيرة الأجل، لأن مثل هذه المقاربات قد تضعف استقلال البنوك المركزية وتربك وظيفتها الأساسية.

في النهاية، لا يرفض التقرير الذهب، لكنه يرفض المبالغة في تفسير صعوده. وبين القيمة السوقية والقدرة الفعلية على الاستخدام، يذكّر صندوق النقد بأن الاحتياطي القوي ليس ما يبدو كبيراً على الورق فقط، بل ما يظل عملياً وقابلاً للتحرك عندما تتغير الظروف بسرعة.