نمو أضعف من المتوقع
سجل الاقتصاد الصيني في الربع الثاني من العام أبطأ وتيرة نمو له منذ أكثر من ثلاث سنوات، بعدما خفّ ضغط الاستهلاك المحلي على الأداء العام، في وقت واصلت فيه الصناعة والصادرات تقديم الدعم للنشاط الاقتصادي. وأظهرت البيانات الرسمية أن الناتج المحلي الإجمالي ارتفع بنسبة 4.3 في المائة خلال الفترة من أبريل إلى يونيو، مقابل 5.0 في المائة في الربع الأول.
وجاءت النتيجة أقل من الحد الأدنى المستهدف من بكين لنمو سنوي يتراوح بين 4.5 و5.0 في المائة، كما جاءت دون توقعات السوق، ما يعكس اتساع الفجوة بين النشاط الصناعي القوي والطلب الداخلي الضعيف. ويرى اقتصاديون أن المشكلة لم تعد في معدل النمو فقط، بل في تركيبته ومصادره.
الاستثمار والاستهلاك تحت الضغط
تكشف البيانات أن مبيعات التجزئة ارتفعت 1.0 في المائة فقط في يونيو، بينما زاد الإنتاج الصناعي بنسبة 5.3 في المائة، وهو ما يشير إلى استمرار الاعتماد على القطاعات الموجهة للتصدير أكثر من الاعتماد على الطلب الاستهلاكي داخل البلاد. ويعزز ذلك مخاوف متزايدة لدى الشركات والمحللين من أن نموذج النمو الصيني لا يزال يميل إلى الاختلال بين الإنتاج والاستهلاك.
وفي المقابل، انكمش الاستثمار في الأصول الثابتة بنسبة 5.7 في المائة على أساس سنوي خلال الأشهر الستة الأولى من العام، كما تراجع استثمار القطاع الحكومي 2.3 في المائة. ويعكس هذا التراجع ضغوطاً متصاعدة على الحكومات المحلية، التي كانت تاريخياً محركاً رئيسياً للاستثمار في التصنيع والبنية التحتية، لكنها باتت مطالبة الآن بتخفيف النفقات وضبط مستويات الدين.
سوق العقارات يواصل السحب من القوة الشرائية
لا يزال القطاع العقاري أحد أبرز مصادر الضعف في الاقتصاد الصيني، إذ انكمش الاستثمار العقاري بنسبة 18 في المائة على أساس سنوي في النصف الأول من العام. كما واصلت أسعار المنازل التراجع، ما قلّص ثروة الأسر وأضعف الرغبة في الإنفاق. ومنذ عام 2021، انعكست الأزمة العقارية على سوق العمل، خصوصاً في قطاع البناء والأنشطة المرتبطة به.
هذا التراجع لا يؤثر فقط على المطورين والبنوك، بل يمتد إلى سلوك المستهلكين أنفسهم، الذين يميلون إلى الادخار والتحفظ في الإنفاق وسط ضبابية مستقبل الأسعار والدخل. وتظهر هذه الحالة بوضوح في الأنشطة اليومية للأسر، حيث باتت النفقات غير الأساسية تُؤجل أو تُخفض إلى الحد الأدنى.
الذكاء الاصطناعي والصناعة يعززان الإنتاج لا الطلب
أحد العوامل التي تدفع الزخم الصناعي في الصين يتمثل في التوسع المرتبط بالذكاء الاصطناعي والطلب العالمي على المنتجات المصنعة. إلا أن هذا الدعم لا ينعكس بالضرورة على توسع متوازن في الاقتصاد، لأن القطاع الصناعي القوي لا يعوض تلقائياً ضعف الاستهلاك أو بطء خلق الوظائف في الخدمات.
كما أدت فائض القدرات الإنتاجية، والتعريفات الجمركية الأميركية، والمنافسة السعرية بين المصنّعين، إلى ضغوط إضافية على العمالة الصناعية. وفي الوقت نفسه، ساهم تباطؤ الطلب وارتفاع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تقليص فرص التوظيف الجديدة في بعض الوظائف الإدارية. ويشير هذا إلى أن المكاسب التقنية قد ترفع الإنتاجية، لكنها لا تحل وحدها مشكلة الطلب الداخلي.
مؤشرات اجتماعية على تراجع الدخل
تعكس شهادات الأفراد في مدن صينية مختلفة أثر التباطؤ على الحياة اليومية. فبعض أصحاب الأعمال الصغيرة يشكون من تراجع الدخل إلى مستويات تقارب النصف مقارنة ببداية العام، فيما يواجه موظفون في قطاعات خدمية وصحية انخفاضاً حاداً في القدرة على الإنفاق مع تقلص التمويل المحلي.
هذا الضغط يظهر أيضاً في انتقال أعداد كبيرة من العاملين إلى اقتصاد العمل الحر، ولا سيما في خدمات التوصيل والنقل، حيث تكون الأجور محدودة والمزايا الاجتماعية أقل استقراراً. ومع تحول مزيد من الوظائف إلى هذا النمط، يصبح دخل الأسر أكثر تقلباً، ما يضعف الاستهلاك ويؤخر تعافي الطلب المحلي.
الصادرات ما زالت تمسك بمفتاح النمو
في الجانب الخارجي، لا تزال الصادرات الصينية تلعب دوراً حاسماً في دعم النمو. فقد أظهرت بيانات التجارة ارتفاعاً كبيراً فاق التوقعات، مدفوعاً جزئياً بالطلب العالمي المرتبط بسلاسل الإمداد الخاصة بالذكاء الاصطناعي، إضافة إلى عمليات تخزين مسبق من جانب بعض المستوردين قبل تغييرات متوقعة في الرسوم الجمركية.
لكن هذا الاعتماد على الطلب الخارجي يحمل مخاطرة واضحة، لأن استمرار التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، إلى جانب تحركات الاتحاد الأوروبي لتعزيز الحماية الصناعية، قد يحد من قدرة بكين على التعويل طويلاً على الصادرات. كما أن أي تباطؤ عالمي إضافي سيضعف هذا المصدر الرئيسي للنمو.
الجدل حول التحفيز المالي
تتجه الأنظار إلى اجتماع سياسي اقتصادي مرتقب في بكين، حيث ستبحث القيادة العليا الأوضاع الراهنة وسبل الحفاظ على مسار النمو. ومع ذلك، لا يبدو أن هناك توافقاً واسعاً على إطلاق حزمة تحفيز كبيرة، خصوصاً أن النمو ما زال ضمن النطاق السنوي المستهدف منذ بداية العام.
ويرى بعض المحللين أن السلطات تبدو حذرة من توسيع الإنفاق أو زيادة الديون في المرحلة الحالية، خاصة مع استمرار قوة الصادرات. وفي المقابل، يعتقد آخرون أن أي تباطؤ إضافي في التجارة الخارجية قد يدفع الحكومة إلى التحرك بقوة أكبر لدعم الطلب المحلي، سواء عبر الاستهلاك أو الاستثمار أو برامج دعم أكثر مباشرة.
تحدي الاستدامة على المدى الطويل
الرسالة الأبرز من البيانات الأخيرة هي أن الصين ما زالت قادرة على تسجيل نمو إيجابي، لكنها تعتمد بشكل متزايد على محركات غير متوازنة. فالإنتاج الصناعي والصادرات يعوضان جزءاً من الضعف الداخلي، لكن الاستثمار العقاري والتوظيف والدخول والاستهلاك لا تزال جميعها تحت الضغط.
هذا الخلل لا يهدد فقط أرقام الربع الحالي، بل يطرح أسئلة أوسع حول قدرة ثاني أكبر اقتصاد في العالم على الانتقال إلى نموذج أكثر اعتماداً على الطلب المحلي والخدمات والابتكار. وفي ظل استمرار التوترات التجارية العالمية، تبدو هذه المهمة أكثر تعقيداً، وأقل قابلية للحل السريع.