تحسن جديد في ثقة قطاع الأعمال
سجلت معنويات الشركات في ألمانيا ارتفاعاً للشهر الثاني على التوالي خلال يونيو، في إشارة إلى تحسن تدريجي في المزاج الاقتصادي داخل أكبر اقتصاد في أوروبا، رغم استمرار الضغوط الناجمة عن التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسواق الطاقة.
وأظهر استطلاع شهري لمعهد «إيفو» أن مؤشر مناخ الأعمال صعد إلى 85.6 نقطة في يونيو، مقارنة مع 85.0 نقطة في مايو، وهو ما يعكس زيادة محدودة لكنها مهمة في ثقة المديرين التنفيذيين حيال أوضاع شركاتهم والآفاق المقبلة.
ويرى المعهد أن هذا الارتفاع ينسجم مع تراجع نسبي في المخاوف المرتبطة بتداعيات الصراع في الشرق الأوسط، بعدما أثرت الأسابيع الماضية في توقعات الشركات، ولا سيما في القطاعات الأكثر اعتماداً على الطاقة والمواد الأولية.
ضغوط الطاقة خففت من حدة التفاؤل
كانت اضطرابات الإمدادات ومخاطر النقل البحري من أبرز العوامل التي ضغطت على النشاط الصناعي في ألمانيا، خصوصاً مع الاتكال الكبير للصناعات التحويلية على الطاقة. وأسهمت التوترات الإقليمية في رفع درجة الحذر لدى الشركات خلال الأشهر السابقة.
وأشارت المعطيات إلى أن الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز خلال فترة التوتر زاد من المخاوف بشأن سلاسل الإمداد وتكاليف الطاقة، الأمر الذي انعكس سلباً على المصانع كثيفة الاستهلاك للطاقة.
ورغم ذلك، بدأت الشركات تتعامل مع المشهد بدرجة أكبر من الثبات، مع رهان متزايد على أن أي انفراج سياسي أو أمني قد يخفف من ضغوط الأسعار ويعيد بعض الاستقرار إلى تكاليف التشغيل.
تحسن واسع يشمل معظم القطاعات
بحسب الاستطلاع الذي شمل نحو 9 آلاف شركة، تحسنت المعنويات في جميع القطاعات الرئيسية تقريباً، بما في ذلك التصنيع والخدمات والتجارة والبناء. ويعد هذا الاتساع في التحسن مؤشراً على أن التغير لم يقتصر على قطاع واحد، بل شمل مختلف مكونات الاقتصاد الحقيقي.
كما سجلت الشركات قراءة أفضل لكل من الوضع الحالي والتوقعات المستقبلية، وهو ما يشير إلى أن جزءاً من التشاؤم السابق بدأ يتراجع، حتى لو بقيت الرؤية العامة أقل من مستويات ما قبل اندلاع الأزمة الأخيرة.
ويعطي هذا التطور دفعة نفسية للأسواق، خاصة أن مؤشرات الثقة تعد من الأدوات المبكرة التي تعكس اتجاهات الإنتاج والاستثمار والتوظيف قبل ظهورها في البيانات الصلبة للناتج المحلي أو التجارة.
آفاق الإنتاج والاستثمار ما زالت مرتبطة بالسياسة
قال رئيس معهد «إيفو» كليمنس فوست إن المديرين في ألمانيا باتوا أكثر تفاؤلاً، موضحاً أن الشركات تراهن على تراجع التوترات الجيوسياسية خلال الفترة المقبلة. وتُعد هذه الإشارات مهمة في بيئة تتأرجح فيها قرارات الاستثمار بين الحذر والطموح.
ويرى محللون أن زيادة الإنفاق على الدفاع والبنية التحتية قد تمنح الشركات دفعة إضافية، إذ يمكن أن تخلق فرصاً جديدة في سلاسل التوريد والصناعة والخدمات المرتبطة بالمشروعات العامة، وتساهم في دعم النشاط الاقتصادي بصورة غير مباشرة.
وفي الوقت نفسه، يبقى تأثير أي تحسن في المعنويات مرهوناً بمدى استمراره وتحوله إلى توسع فعلي في الطلبيات والإنتاج والتوظيف. فالمؤشرات النفسية وحدها لا تكفي لإحداث تحول كامل، لكنها غالباً ما تسبق تحسناً أوسع في الأداء الاقتصادي.
المخاطر لا تزال قائمة رغم الإشارات الإيجابية
على الرغم من الارتفاع المتواصل في الثقة، لا يزال المؤشر دون مستوياته التي سادت قبل اندلاع الصراع، ما يعني أن الشركات لم تعد بعد إلى مرحلة الارتياح الكامل. ولا تزال حالة عدم اليقين قائمة، سواء في ما يتعلق بأسعار الطاقة أو مسار التجارة العالمية أو التوترات الجيوسياسية.
وقال كارستن برزيسكي، من بنك «آي إن جي»، إن استمرار التحسن في المعنويات يعكس تعافياً تدريجياً، لكنه شدد على أن العودة إلى مستويات ما قبل الحرب لم تتحقق بعد. كما أشار إلى أن إعادة فتح مضيق هرمز قد تخفف بعض الضغوط على الاستهلاك، لا سيما إذا انعكس ذلك على تكاليف الوقود والنقل.
ويعني ذلك أن الشركات الألمانية تدخل النصف الثاني من العام بحذر أقل مما كانت عليه في الأشهر الماضية، لكن من دون التخلي عن إدارة المخاطر، في ظل بيئة عالمية لا تزال قابلة للتقلب السريع.
دلالة اقتصادية أوسع للاقتصاد الأوروبي
تحمل القراءة الجديدة لمؤشر «إيفو» أهمية تتجاوز ألمانيا، لأن الاقتصاد الألماني يظل مؤشراً مهماً لاتجاه النشاط في منطقة اليورو. وعندما تتحسن الثقة لدى المصانع والشركات الخدمية والتجارية، ينعكس ذلك عادة على بقية سلاسل الإنتاج الأوروبية.
كما أن التحسن في المعنويات قد يشجع الشركات على تأجيل خفض الوظائف أو تجميد الاستثمارات، وهو ما يساعد على استقرار سوق العمل المحلي. وفي حال استمرت الضغوط الجيوسياسية في التراجع، فقد تتوسع آثار التحسن تدريجياً لتشمل الطلب المحلي والإنفاق الرأسمالي.
ومع أن الارتفاع المسجل في يونيو يبقى محدوداً من حيث القيمة، فإنه يحمل إشارة مهمة: قطاع الأعمال في ألمانيا بدأ يجد مساحة أكبر للتعامل مع المستقبل بقدر أقل من التشاؤم، بعد فترة أثقلت فيها الأزمات الخارجية كلفة القرار الاقتصادي.