تباطأ التضخم الاستهلاكي في الولايات المتحدة خلال يونيو بوتيرة أكبر من تقديرات الأسواق، في إشارة إلى بعض الانفراج في ضغوط الأسعار، غير أن هذه القراءة لم تُنهِ المخاوف المرتبطة بمسار السياسة النقدية، خصوصاً مع استمرار التقلبات في أسعار الطاقة وتزايد عدم اليقين الجيوسياسي.
ووفق بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي، ارتفع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 3.5% على أساس سنوي خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في يونيو، مقارنة بـ4.2% في مايو، وهو تباطؤ لافت يعكس هبوطاً في بعض مكونات التضخم، وفي مقدمتها البنزين. وعلى أساس شهري، انخفض المؤشر 0.4% بعد أن كان قد صعد 0.5% في الشهر السابق، في قراءة أفضل بكثير من توقعات المحللين الذين كانوا يرجحون تراجعاً طفيفاً لا يتجاوز 0.1%.
ويأتي هذا التراجع بعد فترة من ارتفاع الأسعار المرتبطة بالطاقة، إذ استفادت الولايات المتحدة من هدوء نسبي في أسعار الوقود عقب وقف إطلاق نار هش بين واشنطن وإيران الشهر الماضي. لكن هذا الهدوء لم يدم طويلاً، بعدما تجددت التوترات إثر استهداف ناقلات نفط تجارية في مضيق هرمز، وهو ما أعاد الضغط على أسواق النفط والوقود.
أسعار البنزين تعكس هشاشة المشهد
تُظهر حركة أسعار الوقود مدى حساسية التضخم الأميركي لتقلبات أسواق الطاقة العالمية. فقد ارتفع متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة إلى 3.86 دولار للغالون يوم الثلاثاء، مقارنة بـ3.79 دولار قبل أسبوع واحد فقط، بحسب بيانات جمعية السيارات الأميركية. كما صعدت أسعار النفط إلى أعلى مستوى لها في أربعة أسابيع بعد إعادة الولايات المتحدة فرض حصار بحري على إيران، ما يرجح استمرار الضغوط الصعودية على تكاليف النقل والطاقة في الفترة المقبلة.
ورغم أن تراجع أسعار البنزين ساعد على كبح التضخم العام في يونيو، فإن هذا الأثر قد يظل مؤقتاً إذا استمرت التوترات في الشرق الأوسط أو اتسعت تداعياتها على سلاسل الإمداد وأسواق الشحن. وبالنسبة للمستهلك الأميركي، فإن أي صعود جديد في أسعار الوقود ينعكس سريعاً على تكلفة التنقل والنقل والخدمات المرتبطة بهما، ما يجعل المؤشر عرضة لتقلبات حادة من شهر إلى آخر.
التضخم الأساسي يهدأ لكن الفيدرالي لا يطمئن بالكامل
وباستثناء الغذاء والطاقة، وهي المكونات الأكثر تذبذباً، ارتفع التضخم الأساسي بنسبة 2.6% على أساس سنوي في يونيو، انخفاضاً من 2.9% في مايو. وعلى أساس شهري، استقر المؤشر الأساسي دون تغيير بعد زيادة 0.2% في الشهر السابق، وهو ما يشير إلى تباطؤ نسبي في الضغوط السعرية داخل الاقتصاد الأميركي الأوسع.
لكن هذا التحسن لا يكفي وحده لتغيير موقف مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشكل حاسم. فالبنك المركزي الأميركي يراقب مقياس نفقات الاستهلاك الشخصي بوصفه المؤشر المفضل لديه لقياس التضخم، ويستهدف وصوله إلى 2%. وكانت القراءة الأخيرة أعلى من هذا الهدف، ما يعني أن الفيدرالي لا يزال أمامه مجال محدود للمناورة إذا عادت الأسعار إلى الارتفاع أو استمر التضخم الأساسي فوق المستويات المرغوبة.
وقد أظهر محضر اجتماع الفيدرالي في منتصف يونيو، الذي نُشر لاحقاً، أن المخاوف داخل المؤسسة النقدية ما زالت قائمة بشأن مسار التضخم. وفي الاجتماع نفسه، أبقى البنك سعر الفائدة الأساسي من دون تغيير عند نطاق 3.50% إلى 3.75%، مع الإشارة في التوقعات الجديدة إلى ارتفاع احتمالات تشديد إضافي في عام 2026.
الأسواق تعيد تسعير احتمالات الفائدة
قبل صدور بيانات يونيو، كانت الأسواق المالية تقيم احتمال رفع الفائدة في اجتماع سبتمبر المقبل عند نحو 51.9%، بحسب أداة «فيد ووتش» التابعة لبورصة شيكاغو التجارية. وتُظهر هذه النسبة أن المستثمرين لم يحسموا بعد توقعاتهم، في ظل توازن هش بين إشارات تباطؤ التضخم من جهة، ومخاطر الطاقة والاضطرابات الجيوسياسية من جهة أخرى.
وفي العادة، يميل المستثمرون إلى قراءة بيانات التضخم المنخفضة باعتبارها داعماً لاحتمالات التيسير النقدي أو على الأقل تثبيت الفائدة. لكن الوضع الحالي أكثر تعقيداً، لأن الفيدرالي لا يركز على القراءة الشهرية وحدها، بل ينظر إلى الاتجاه العام للتضخم، وإلى مدى استدامة التراجع، وإلى تأثير الأسواق العالمية على الأسعار المحلية في الأشهر المقبلة.
كما أن استمرار تقلبات النفط يجعل أي تحسن في التضخم عرضة للتراجع السريع، خصوصاً إذا انعكس صعود الطاقة على تكاليف السلع والخدمات والنقل. لذلك، ستظل الأسواق تترقب البيانات المقبلة بعناية، سواء تلك المتعلقة بالتضخم أو بسوق العمل أو إنفاق المستهلكين، بحثاً عن إشارات أوضح حول المسار المقبل للفائدة الأميركية.
ما الذي يعنيه ذلك للاقتصاد الرقمي وسلاسل الأعمال؟
في سياق الأعمال والاقتصاد الرقمي، يحمل تباطؤ التضخم في الولايات المتحدة تأثيرات متشعبة. فاستقرار الأسعار نسبياً يمكن أن يخفف بعض الضغوط على الشركات الناشئة والمشاريع التقنية التي تعتمد على التمويل، كما قد يحدّ من تكلفة الاقتراض إذا اتجهت التوقعات لاحقاً نحو تخفيف السياسة النقدية. لكن بقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول، أو عودة التضخم للارتفاع بسبب الطاقة، قد يبقي شروط التمويل أكثر صرامة ويؤثر في قرارات التوسع والاستثمار.
وتتأثر كذلك قطاعات التجارة الإلكترونية، والخدمات السحابية، والإعلانات الرقمية، والتكنولوجيا الاستهلاكية، لأن تغير تكلفة الاقتراض وقوة الطلب الاستهلاكي ينعكسان مباشرة على الإنفاق والطلب على الخدمات الرقمية. وفي الوقت نفسه، تظل أسواق رأس المال حساسة لأي تحسن في بيانات الأسعار، لأنها تحدد مسار التقييمات والاستثمار في الشركات المعتمدة على النمو.
وعلى المدى القريب، يبقى المشهد الاقتصادي الأميركي مرتبطاً بثلاثة عوامل رئيسية: تطور أسعار الطاقة، واستجابة المستهلكين لضغوط المعيشة، وقرار الاحتياطي الفيدرالي بشأن الفائدة. وإذا استمرت بيانات التضخم في التراجع بوتيرة متدرجة، فقد تتسع مساحة النقاش حول تخفيف السياسة النقدية لاحقاً. أما إذا أعادت التوترات الجيوسياسية ارتفاع أسعار النفط، فقد يعود التضخم إلى الواجهة بوصفه التحدي الأكبر أمام الأسواق وصناع القرار على السواء.