12-Sep-2026 6 دقائق قراءة

فيتول: الطلب العالمي على النفط قد يتراجع 1.5 مليون برميل يومياً في 2026

توقعت شركة فيتول أن يشهد الطلب العالمي على النفط تراجعاً بمقدار 1.5 مليون برميل يومياً في 2026 مقارنة بعام 2025، بينما تبقى أسواق الخام والمنتجات المكررة تحت ضغط المخاطر الجيوسياسية وتبدلات الإمدادات.

توقعات أقل تفاؤلاً لسوق النفط

تتجه واحدة من أكبر شركات تجارة النفط في العالم إلى قراءة أكثر حذراً لمستقبل السوق في العام المقبل، إذ تتوقع أن ينخفض الطلب العالمي على الخام بمقدار 1.5 مليون برميل يومياً في 2026 مقارنة بعام 2025. وتعكس هذه التقديرات مزيجاً من تباطؤ بعض مراكز الاستهلاك، وتبدلات التدفقات التجارية، واستمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالإمدادات العالمية.

وتأتي هذه النظرة في وقت لا تزال فيه أسعار النفط تتأثر بعوامل متعارضة. فمن جهة، ترفع المخاطر الجيوسياسية علاوات السعر، ومن جهة أخرى يحد ضعف الطلب في أسواق رئيسية، وفي مقدمتها الصين، من قدرة الأسعار على الاستقرار فوق مستويات مرتفعة لفترة طويلة.

وتظهر هذه المعادلة بوضوح في حركة السوق الأخيرة، حيث اقترب خام برنت مجدداً من مستوى 100 دولار للبرميل، لكن من دون أن يرسخ وجوده فوق هذا الحاجز النفسي، وهو ما يعكس سوقاً شديدة الحساسية لأي تطور جديد في جانب العرض أو النقل البحري.

الصين في قلب معادلة الطلب

أشارت التقديرات إلى أن الفجوة بين واردات الصين من النفط الخام في 2025 و2026، والتي تتراوح بين خمسة وستة ملايين برميل يومياً، تبدو غير قابلة للاستمرار على المدى الطويل. وتُعد الصين أكبر مستورد للنفط في العالم، ما يجعل أي تغير في سلوكها الشرائي عاملاً حاسماً في تشكيل اتجاهات السوق العالمية.

وفي الأشهر الأخيرة، تراجع حجم الشحنات البحرية المتجهة إلى الصين إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً في يوليو وأغسطس، مقارنة بأكثر من 11 مليون برميل يومياً في فبراير. كما ساهمت المخزونات الاستراتيجية الكبيرة في توفير هامش أمان إضافي، ما خفف جزئياً من أثر اضطرابات الإمدادات.

لكن انخفاض الواردات لا يعني انحسار الطلب بالكامل، بل يشير إلى إعادة توزيع في أنماط الشراء والاعتماد على مخزونات ومصادر توريد بديلة. ويؤكد ذلك أن السوق الصينية باتت أكثر تأثيراً في التوازن بين الفائض والعجز، خاصة في ظل تغيرات الطلب الصناعي وحركة الشحن والتخزين.

الشرق الأوسط يظل العامل الأكثر حساسية

على الجانب الآخر، يظل الشرق الأوسط المصدر الأكثر تأثيراً في علاوات المخاطر السعرية. فمع استمرار التوترات العسكرية في المنطقة، زادت المخاوف من تعطل سلاسل الإمداد، وخصوصاً أن المنطقة تمثل مركزاً رئيسياً لتصدير الخام والمنتجات النفطية إلى الأسواق العالمية.

وتظهر أهمية هذا العامل في ارتفاع الأسعار الفورية للنفط خلال جلسات التداول الأخيرة، إذ صعدت العقود في ظل مخاوف من استمرار الحرب في المنطقة واحتمال انتقال التوتر إلى مسارات الشحن البحري. ومع أن الإمدادات لم تنقطع بالكامل، فإن مجرد ارتفاع احتمالات التعطيل يكفي لدفع المتعاملين إلى تسعير مخاطر إضافية.

وتتركز الأنظار على مضيق هرمز بوصفه نقطة العبور الأكثر حساسية في تجارة النفط العالمية. فالمضيق يشهد تدفقات كبيرة من الخام والمنتجات المكررة، وأي اضطراب فيه ينعكس فوراً على تكاليف النقل والأسعار الفورية، لا سيما مع صعوبة التنبؤ بحجم التدفقات اليومية بدقة في بيئة أمنية متقلبة.

المنتجات المكررة أكثر عرضة للضغط

لا تقتصر آثار الاضطراب على النفط الخام فقط، بل تمتد بصورة أوضح إلى المنتجات المكررة مثل الديزل والبنزين ووقود الطائرات. وتشير تقديرات مؤسسات بحثية إلى أن حركة المنتجات عبر هرمز تراجعت بنسبة أكبر بكثير من حركة الخام، ما يعني أن الخلل في أسواق الوقود النهائية أشد من الخلل في سوق الخام ذاته.

وفي أوروبا، وصلت مؤشرات أسعار الديزل إلى مستويات مرتفعة، في إشارة إلى أن نقص الوقود المكرر قد يكون هو القناة الأسرع لانتقال صدمة الإمدادات إلى المستهلكين والشركات. كما أن ارتفاع العلاوات في الأسواق الفورية يعكس استعداد المشترين لدفع أسعار أعلى لضمان الإمدادات في المدى القصير.

هذا التباين بين الخام والمنتجات المكررة يضع الحكومات والبنوك المركزية أمام تحدٍ إضافي، لأن ارتفاع أسعار الوقود غالباً ما ينتقل بسرعة إلى تكاليف النقل والإنتاج، ثم إلى معدلات التضخم العامة. لذلك، قد تتجاوز تداعيات الأزمة نطاق سوق الطاقة نفسه لتطال النشاط الاقتصادي الأوسع.

إمدادات جديدة من خارج الشرق الأوسط

رغم التوترات، لا تزال السوق تستفيد من نمو إمدادات من خارج المنطقة. فإنتاج الولايات المتحدة وكندا وغويانا مرشح للارتفاع بمقدار يقارب 1.4 مليون برميل يومياً خلال العام، وهو ما يخفف بعض الضغط على التوازن العالمي. كما حافظت الصادرات الروسية على مستويات قوية نسبياً، وإن كانت أقل من الذروة التي سُجلت في يونيو.

وفي هذا السياق، تبرز كندا كأحد المسارات البديلة المهمة، خصوصاً مع توقعات بزيادة نصيب آسيا من صادراتها النفطية. ومن المنتظر أن تستحوذ القارة، بقيادة الصين، على نحو 70 في المائة من الخام الكندي بعد توسعة خط أنابيب رئيسي يربط ألبرتا بالساحل الغربي، ما يعزز وصول الإمدادات إلى أسواق المحيط الهادئ.

وتكتسب هذه التوسعة أهمية استراتيجية لأنها تمنح المنتجين الكنديين منفذاً أوسع نحو آسيا، في وقت تتزايد فيه الحاجة العالمية إلى بدائل مرنة ومسارات تصدير أقل عرضة للاضطراب. كما أن النفط الكندي الثقيل يظل جذاباً لعدد من المصافي الآسيوية التي تعتمد عليه في إنتاج البتروكيماويات.

أوبك بلس بين تثبيت الإنتاج ومراقبة السوق

في موازاة ذلك، يواصل تحالف أوبك بلس إدارة المعروض بحذر، مع إبقاء مستويات الإنتاج المستهدفة دون تغيير خلال فترة المراجعة الأخيرة. ويعكس هذا القرار رغبة المجموعة في الحفاظ على استقرار السوق وعدم دفع الأسعار إلى تقلبات حادة قد تضر بالطلب لاحقاً.

لكن سياسة التثبيت لا تلغي حقيقة أن السوق أصبحت أكثر اعتماداً على العوامل السياسية والأمنية في تسعير النفط. فحتى مع وجود طاقة إنتاجية إضافية أو زيادات في بعض المناطق، فإن أي خلل في ممرات الشحن أو منشآت الطاقة قد يبدد أثر تلك الزيادات بسرعة.

كما أن مراجعة المؤسسات المالية لتوقعاتها السعرية توضح أن المخاطر ما زالت تميل إلى الأعلى، خاصة إذا استمرت اضطرابات النقل البحري لفترة أطول. ومع ذلك، يظل سقف الأسعار مرتبطاً بمدى قوة الطلب الحقيقي، وليس فقط بالمخاوف قصيرة الأجل.

مستقبل الأسعار بين نقص المعروض وضعف الاستهلاك

تدل المعطيات الحالية على أن سوق النفط تتحرك بين قوتين متعاكستين: الأولى هي ضغط المخاطر الجيوسياسية على جانب المعروض، والثانية هي تراجع أو تباطؤ الطلب في بعض الأسواق الكبرى. وبين هذين العاملين، تتشكل اتجاهات الأسعار خلال الأشهر المقبلة.

وإذا استمرت الإمدادات عبر هرمز في العمل بشكل محدود أو متقطع، فستبقى علاوة المخاطر حاضرة في السوق. أما إذا تراجعت وتيرة الاستهلاك العالمي، خصوصاً في آسيا، فقد يحد ذلك من قدرة الأسعار على تحقيق صعود مستدام، حتى في ظل الاضطرابات الأمنية.

وبناءً على ذلك، يبدو أن 2026 قد يكون عاماً لإعادة التسعير أكثر من كونه عاماً لاتجاه واضح واحد. فالسوق لا تتعامل فقط مع مستوى الإنتاج، بل أيضاً مع سهولة وصول النفط إلى المشترين، ومع سرعة تعافي التجارة، ومع قدرة الاقتصادات الكبرى على استيعاب الصدمات المتكررة.