23-Jul-2026 5 دقائق قراءة

هبوط حاد للأسهم الآسيوية مع تصاعد خسائر الرقائق والذكاء الاصطناعي وضغوط النفط

تراجعت الأسواق الآسيوية بقوة مع موجة بيع طالت أسهم الرقائق والذكاء الاصطناعي، وسط مخاوف من تضخم التقييمات وتداعيات التوترات الجيوسياسية على النفط والمعادن والعملات.

شهدت الأسواق الآسيوية جلسة ضعيفة في نهاية الأسبوع، بعدما ضغطت خسائر حادة في شركات الرقائق وأسماء الذكاء الاصطناعي على شهية المخاطرة، في وقت زادت فيه التوترات الجيوسياسية من تقلبات النفط والمعادن والعملات. وجاءت الخسائر بعد أسابيع من القلق بشأن التقييمات المرتفعة لأسهم التكنولوجيا، إلى جانب تساؤلات حول قدرة الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي على تبرير الارتفاعات الكبيرة الأخيرة.

وتصدر المشهد هبوط سوق الأسهم اليابانية، حيث تراجع مؤشر نيكي 225 بنحو 5.8 في المائة، متأثراً بموجة بيع واسعة في أسهم تصنيع الرقائق والشركات المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وفي هونغ كونغ، انخفض مؤشر هانغ سنغ بنحو 2 في المائة، بينما خسر مؤشر شنغهاي المركب 1.6 في المائة. كما تراجعت الأسهم التايوانية بأكثر من 5 في المائة، في حين بقيت السوق الكورية الجنوبية مغلقة بسبب عطلة.

ولم تكن الضغوط محصورة في آسيا وحدها، إذ امتدت إلى الأسواق الأميركية التي أنهت تعاملات اليوم السابق على انخفاض، مع تراجع مؤشر ناسداك المركب 1.5 في المائة، وهبوط سهم إنفيديا 2.4 في المائة. كما سجلت أسهم أخرى استفادت خلال الأشهر الماضية من طفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي خسائر لافتة، بينها مايكرون تكنولوجي وسانديسك وويسترن ديجيتال، ما عكس اتجاهاً أوسع لإعادة تسعير هذا القطاع.

تقييمات مرتفعة ومخاوف من تضخم الفقاعة

المحرك الأساسي وراء الموجة الأخيرة من البيع يتمثل في الشكوك المتزايدة حول تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي والرقائق. فالمستثمرون باتوا يتساءلون عمّا إذا كانت الأسعار الحالية تعكس بالفعل أرباحاً مستقبلية قابلة للتحقق، أم أنها تستند إلى توقعات متفائلة أكثر مما ينبغي. ومع استمرار صعود أسهم هذا القطاع خلال فترة قصيرة نسبياً، أصبح أي تراجع في المعنويات كافياً لإطلاق عمليات جني أرباح سريعة.

وتعززت هذه المخاوف مع الإشارة إلى أن الطلب القوي على رقائق الذاكرة والمعالجات قد لا يستمر بالوتيرة نفسها إذا لم يظهر الذكاء الاصطناعي قدرة أوضح على تحقيق عوائد إنتاجية وتجارية ملموسة. وفي مثل هذه البيئة، تصبح أسهم الشركات الأكثر ارتباطاً بالدورة الاستثمارية في الذكاء الاصطناعي أكثر حساسية لأي إشارة سلبية، سواء كانت مرتبطة بالنتائج المالية أو بتوقعات الإنفاق الرأسمالي أو بالتدفقات النقدية المستقبلية.

وفي الصين، زاد المشهد تعقيداً بعد هبوط مؤشرات الأسهم المحلية بأكثر من 3 في المائة، لتسجل أسوأ أداء أسبوعي لها منذ أكثر من عامين. وجاء الضغط بعدما أثار اكتتاب ضخم لشركة رقائق ذاكرة صينية مخاوف من استنزاف السيولة في سوق تعاني أصلاً من ارتفاعات حادة في تقييمات التكنولوجيا. كما أثّر ذلك على المزاج العام تجاه قطاع الذكاء الاصطناعي في البلاد، خصوصاً مع ترقب اكتتابات عامة أولية أخرى لشركات تكنولوجية كبيرة.

وتراجعت كذلك المؤشرات الصينية المرتبطة بالرقائق والذكاء الاصطناعي، بما في ذلك مؤشرات الشركات المتخصصة في الدوائر المتكاملة والتقنيات المتقدمة. وامتد هذا الضعف إلى هونغ كونغ أيضاً، حيث تعرضت أسهم التكنولوجيا والرقائق لضغوط ملحوظة، في إشارة إلى أن موجة التراجع لم تعد محصورة في السوق الأميركية أو اليابانية، بل أصبحت عالمية الطابع.

النفط يصعد والمعادن تحت الضغط

على الجانب السلعي، اتجهت أسعار النفط إلى الارتفاع مع ازدياد المخاوف من اضطراب الإمدادات بسبب التصعيد العسكري في الشرق الأوسط. وارتفع خام برنت إلى 85.13 دولار للبرميل، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط إلى 79.95 دولار للبرميل. وجاءت هذه الزيادة مدفوعة بالقلق من تعطل حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وهو ممر استراتيجي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية.

هذا الصعود في أسعار الطاقة انعكس بدوره على معنويات المستثمرين في السندات والأسهم، لأنه يرفع احتمالات عودة الضغوط التضخمية، ويجعل البنوك المركزية أكثر حذراً في التخلي عن سياسة الفائدة المرتفعة. كما أن ارتفاع النفط يضغط عادة على الشركات والقطاعات الأكثر استهلاكاً للطاقة، ويزيد العبء على الاقتصادات المستوردة للخام، خصوصاً في أوروبا وآسيا.

أما المعادن الأساسية، فقد تعرضت بدورها لموجة بيع، حيث انخفض النحاس القياسي في بورصة لندن، وتراجعت أسعار النيكل والألمنيوم والزنك والرصاص والقصدير بنسب متفاوتة. ويعكس هذا الأداء تراجع شهية المستثمرين للأصول المرتبطة بالنمو الصناعي، في وقت تتداخل فيه المخاوف من التضخم مع ضعف الرغبة في المخاطرة. ومع أن النحاس ما زال يُنظر إليه بوصفه مؤشراً على صحة الاقتصاد العالمي، فإن تحركاته الأخيرة أظهرت هشاشة التوازن بين توقعات الطلب وضغوط السياسة النقدية.

وفي الوقت نفسه، تلقى النحاس بعض الدعم من السحوبات الأخيرة من مستودعات بورصة لندن للمعادن ومن قوة الطلب في الصين، أكبر مستهلك له في العالم. لكن هذا الدعم لم يكن كافياً لتعويض الأثر السلبي العام الناجم عن تشدد المعنويات في الأسواق العالمية. كما أن ارتفاع العوائد الحقيقية وأسعار الفائدة يحدان من جاذبية المعادن الصناعية، التي تعتمد في الغالب على توقعات التوسع الاقتصادي.

اليوان يتراجع وسط تدفقات الملاذ الآمن

في سوق العملات، انخفض اليوان الصيني أمام الدولار مع عودة المستثمرين إلى العملة الأميركية بوصفها ملاذاً آمناً خلال أوقات التوتر. وتراجع اليوان عن أعلى مستوى بلغه في شهر، بعد أن دفعت التطورات الجيوسياسية المتسارعة المتعاملين إلى زيادة الطلب على الدولار. ورغم ذلك، ما زال اليوان يتجه إلى تحقيق مكاسب أسبوعية، مدعوماً جزئياً ببيانات التضخم الأميركية الأضعف من المتوقع، والتي خففت رهانات الأسواق على رفع سريع لأسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

ويرى محللون أن قوة اليوان لا تزال تستند إلى عوامل هيكلية، من بينها تحسن الإنتاجية وتوسع استخدام العملة الصينية في التجارة والتمويل. لكن هذه العوامل لا تلغي تأثير الضغوط الدورية، مثل تباين البيانات الاقتصادية واتساع الفارق بين أسعار الفائدة الأميركية والصينية. كما أن استمرار التوترات في الشرق الأوسط يظل عاملاً داعماً للدولار على حساب العملات الأخرى ذات الحساسية الأعلى للمخاطر.

وفي أسواق الدين، تراجعت عوائد سندات منطقة اليورو خلال اليوم، لكنها اتجهت لتسجيل مكاسب أسبوعية، مع ارتفاع التوقعات بأن البنك المركزي الأوروبي قد يجد نفسه مضطراً لزيادة الفائدة مجدداً إذا استمرت صدمة الطاقة. ويُظهر ذلك مدى الترابط بين سوق النفط، وتوقعات التضخم، وحركة السندات، وتقييمات الأصول الخطرة، بما في ذلك أسهم التكنولوجيا.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الأسواق دخلت مرحلة أكثر حساسية، حيث يتقاطع فيها عاملان في غاية التأثير: أولاً، تراجع الثقة في قدرة أسهم الذكاء الاصطناعي والرقائق على مواصلة الصعود بالزخم نفسه؛ وثانياً، عودة المخاطر الجيوسياسية لتضغط على أسعار الطاقة وتعيد فتح ملف التضخم. وبين هذين المسارين، تبدو الأسواق العالمية أكثر عرضة للتقلب، مع تحرك سريع لرؤوس الأموال بين الأسهم الدفاعية وأصول الملاذ الآمن والقطاعات المرتبطة مباشرة بالنمو التكنولوجي.