تراجع واسع في المعادن الأساسية
شهدت أسواق المعادن الأساسية جلسة ضعيفة مع هبوط النحاس ومعظم المعادن الصناعية الأخرى، في ظل تراجع شهية المخاطرة العالمية بفعل تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. وجاء الضغط على الأسعار مع اتساع المخاوف من أن تؤدي الحرب إلى موجة تضخم جديدة، عبر رفع تكاليف الطاقة والنقل وتعطيل سلاسل الإمداد.
وانخفض النحاس القياسي تسليم ثلاثة أشهر في بورصة لندن للمعادن بنحو 1.01 في المائة، ليصل إلى 13,461 دولاراً للطن المتري. كما تراجع العقد الأكثر تداولاً للنحاس في بورصة شنغهاي للعقود الآجلة بنسبة 0.73 في المائة إلى 103,550 يواناً للطن. ورغم هذا الهبوط، بقي المعدن قريباً من مكاسب أسبوعية طفيفة في لندن، ما يعكس حالة تذبذب واضحة في السوق.
ويُنظر إلى النحاس باعتباره مؤشراً حساساً على صحة الاقتصاد العالمي بسبب ارتباطه الوثيق بالبناء والصناعة والطاقة، لذلك فإن أي هبوط فيه يُقرأ عادة بوصفه انعكاساً لتراجع توقعات النمو أو زيادة الحذر لدى المستثمرين.
النفط يضغط على توقعات التضخم
زاد ارتفاع أسعار النفط من حدة القلق في الأسواق، بعدما قفز خام برنت بنحو 12 في المائة خلال الأسبوع. وجاءت هذه الحركة مع تعطل مسارات الشحن عبر مضيق هرمز، في ظل تصاعد الهجمات بين الولايات المتحدة وإيران وانهيار محادثات السلام.
هذا الارتفاع في الطاقة لا يقتصر أثره على أسواق النفط، بل يمتد إلى تكلفة الإنتاج في قطاعات الصناعة والنقل والتعدين. ومع تزايد الحديث عن ضغوط سعرية إضافية، ارتفعت رهانات المستثمرين على بقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، وهو ما ينعكس سلباً على المعادن التي تعتمد على الطلب الصناعي والنشاط الاقتصادي.
وتراجع الذهب بشكل طفيف خلال الجلسة، لكنه ظل متجهاً نحو أكبر خسارة أسبوعية له في ستة أسابيع، بعدما خففت بيانات التضخم الأميركية الأضعف من المتوقع بعض المخاوف من تشدد نقدي سريع. ومع ذلك، فإن مزيج التضخم المرتفع والطاقة الأغلى يواصل دعم اتجاه الحذر في الأسواق العالمية.
بيانات ضعيفة تخفف التشدد النقدي
في المقابل، ساعدت سلسلة من البيانات الاقتصادية الأميركية الأضعف من المتوقع خلال يونيو على تهدئة جزء من القلق المرتبط باستمرار الفائدة المرتفعة لفترة طويلة. وأدى ذلك إلى دعم نسبي لمعنويات المستثمرين، حتى مع استمرار الضغوط على المعادن الصناعية.
وعادة ما تؤدي الفائدة المرتفعة إلى كبح النشاط الاقتصادي، لأنها ترفع كلفة الاقتراض على الشركات والمستهلكين، وتضغط بالتالي على الطلب على المواد الخام. ولهذا السبب، غالباً ما تتأثر المعادن الأساسية بشكل مباشر بتغيرات السياسة النقدية والتوقعات الخاصة بالنمو العالمي.
ورغم هذه الخلفية السلبية، حصل النحاس على دعم جزئي من السحوبات الأخيرة من مستودعات بورصة لندن للمعادن، إضافة إلى قوة الطلب في الصين، أكبر مستهلك للمعدن في العالم. كما بقيت علاوة يانغشان، التي تعكس شهية المشترين الصينيين، عند أعلى مستوى لها منذ مايو 2025، ما يشير إلى استمرار وجود طلب فعلي في السوق الفورية.
النيكل والمعادن الأخرى تحت الضغط
امتد الضعف إلى بقية المعادن، إذ هبط النيكل في بورصة لندن للمعادن بنسبة 2.26 في المائة، وتراجع أيضاً في بورصة شنغهاي بنسبة 1.57 في المائة. وألغت هذه الخسائر معظم مكاسب الجلسة السابقة التي جاءت على خلفية مخاوف من الإمدادات.
كما انخفض الألمنيوم في لندن بنسبة 0.8 في المائة، والزنك بنسبة 1.36 في المائة، والرصاص بنسبة 0.27 في المائة، والقصدير بنسبة 1.76 في المائة. وفي شنغهاي، جاءت التحركات متفاوتة، إذ ارتفع الألمنيوم هامشياً، بينما تراجع الزنك والقصدير، وصعد الرصاص بشكل ملحوظ.
وتعكس هذه التباينات أن السوق لا تتحرك وفق عامل واحد فقط، بل تتأثر بمجموعة عناصر تشمل تدفقات المخزون، ومخاوف الإمدادات، وتوقعات الطلب في الصين، إضافة إلى اتجاهات الدولار وأسعار الفائدة العالمية.
الأسهم الصينية والذكاء الاصطناعي يعمقان الحذر
لم تقتصر الضغوط على سوق السلع، إذ تعرضت الأسهم الصينية لتراجع حاد بعد موجة بيع واسعة في شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وجاء ذلك بالتزامن مع طرح ضخم للاكتتاب العام في قطاع الرقائق، ما أثار مخاوف من سحب السيولة من السوق في وقت تعاني فيه الأسهم بالفعل من ارتفاع التقييمات.
وتراجع مؤشر «سي إس آي 300» بنحو 4 في المائة، بينما هبط المؤشر المركب في شنغهاي إلى أدنى مستوى له في عشرة أشهر. كما سجلت مؤشرات التكنولوجيا والرقائق خسائر أسبوعية حادة، وهو ما ضغط أيضاً على معنويات المستثمرين المرتبطة بسلاسل التوريد الصناعية، ومن ضمنها المعادن اللازمة لصناعة الإلكترونيات ومعدات الطاقة.
وفي هونغ كونغ، تعرضت أسهم التكنولوجيا والرقائق لضغوط مشابهة، في إشارة إلى أن الحذر لم يعد محصوراً في سوق واحدة، بل امتد إلى أسواق آسيوية مرتبطة بشكل مباشر بالاستثمار الصناعي والتكنولوجي.
تأثيرات متشابكة على العملات والسندات
انعكس التوتر أيضاً على أسواق العملات، حيث تراجع اليوان الصيني أمام الدولار مع توجه المستثمرين نحو الملاذات الآمنة. وجاء ذلك رغم أن اليوان لا يزال في مسار تحقيق مكاسب أسبوعية، مدعوماً بتوقعات أقل تشدداً من جانب الاحتياطي الفيدرالي بعد بيانات التضخم الأميركية.
أما في أسواق السندات، فقد تراجعت عوائد سندات منطقة اليورو لكنها بقيت على مسار مكاسب أسبوعية، وسط تقديرات بأن ارتفاع أسعار الطاقة قد يدفع البنك المركزي الأوروبي إلى تبني نبرة أكثر تشدداً. وفي اليابان، أثارت خطط الحكومة الاقتصادية نقاشاً حول استقلالية بنك اليابان واتجاه أسعار الفائدة، ما زاد حساسية الأسواق تجاه أي مؤشرات سياسية أو نقدية جديدة.
وتُظهر هذه التحركات أن المعادن الأساسية لم تعد تتأثر فقط بعوامل العرض والطلب المباشرة، بل أصبحت جزءاً من شبكة أوسع من المخاطر تشمل الطاقة، والتضخم، والعملات، وسياسات البنوك المركزية، والتوترات الجيوسياسية.
نظرة السوق إلى المرحلة المقبلة
في المدى القريب، سيبقى مسار النحاس وبقية المعادن الأساسية مرتبطاً بثلاثة عوامل رئيسية: أولها تطورات الحرب في الشرق الأوسط وما إذا كانت ستؤدي إلى اضطراب أوسع في الشحن والطاقة، وثانيها اتجاه التضخم العالمي وتأثيره على قرارات البنوك المركزية، وثالثها أداء الاقتصاد الصيني باعتباره المحرك الأكبر للطلب على المعادن الصناعية.
إذا استمرت أسعار النفط مرتفعة وبقيت توقعات الفائدة عند مستويات عالية، فمن المرجح أن تواجه المعادن الأساسية مزيداً من الضغط. أما إذا أظهرت البيانات الاقتصادية تباطؤاً أو خفّت حدة التوترات الجيوسياسية، فقد تستعيد بعض المعادن جزءاً من خسائرها مدعومة بالطلب الصناعي والتخزين في الصين.
وبين هذه العوامل المتعارضة، تبدو الأسواق في حالة إعادة تسعير مستمرة، حيث تتحرك المعادن اليوم ليس فقط بوصفها سلعا صناعية، بل أيضاً كمؤشر مباشر على المزاج الاقتصادي العالمي.