الدولار يحافظ على مكاسبه
واصل الدولار الأمريكي تحركه قرب أعلى مستوياته في شهرين، مدعوما بتوقعات متزايدة بأن مجلس الاحتياطي الاتحادي قد يبقي باب التشديد النقدي مفتوحا خلال الأشهر المقبلة. وجاء هذا الأداء في سوق عملات اتسم بالهدوء النسبي، بينما كانت الأسهم التكنولوجية في آسيا تتعرض لموجة بيع حادة ضغطت على شهية المخاطرة لدى المستثمرين.
وتأثرت حركة العملات الرئيسية أيضا ببيانات الوظائف الأمريكية التي أظهرت إضافة 172 ألف وظيفة في القطاع غير الزراعي خلال الشهر الماضي، وهي قراءة فاقت توقعات السوق وأعطت انطباعا بأن سوق العمل لا يزال متماسكا رغم الضغوط الناتجة عن أسعار الطاقة.
اليورو والجنيه الإسترليني تحت الضغط
تراجع اليورو إلى 1.1507 دولار، وهو أدنى مستوى له في شهرين، في حين هبط الجنيه الإسترليني إلى 1.33165 دولار، مسجلا أضعف مستوياته في ثلاثة أسابيع. ويعكس هذا الهبوط اتساع الفجوة بين قوة الدولار وبين العملات الأوروبية التي تواجه بدورها حساسية أعلى تجاه أي تباطؤ في النمو العالمي.
كما انخفض الدولار الأسترالي إلى 0.7016 دولار، مسجلا أدنى مستوى له في شهرين، بينما تراجع الدولار النيوزيلندي إلى 0.5779 دولار، في إشارة إلى أن موجة قوة العملة الأمريكية امتدت إلى العملات المرتبطة بالمخاطر والسلع معا.
رهانات على تشديد السياسة النقدية
يرى محللون أن بيانات سوق العمل الأمريكية تمنح الاحتياطي الاتحادي مساحة أكبر للإبقاء على موقفه المتشدد، خاصة في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بالطاقة. وقال كبير محللي الأسواق في كابيتال إيكونوميكس، جوناس جولترمان، إن تقرير الوظائف يشير إلى تحسن واضح في سوق العمل رغم الصدمة الحالية في أسعار الطاقة.
وأضاف أن هذا التطور يجعل سيناريو رفع الفائدة في وقت لاحق من العام أكثر ترجيحا، متوقعا أن يقدم البنك المركزي الأمريكي على زيادتين بمقدار 25 نقطة أساس لكل منهما خلال الفترة المتبقية من العام، استجابة لمزيج من عودة سوق العمل إلى التسارع واستمرار ضغوط الإمدادات في أسواق الطاقة.
وبحسب أداة متابعة السياسة النقدية التابعة لمجموعة سي إم إي، ارتفعت احتمالات رفع الفائدة الأمريكية في ديسمبر إلى أكثر من 70%، مقارنة بنحو 45% قبل أسبوع واحد فقط. ويعكس هذا التحول السريع كيف يمكن لبيانات اقتصادية واحدة أن تعيد تسعير التوقعات في أسواق العملات والسندات على نطاق واسع.
الين الياباني يعود إلى التراجع
في آسيا، واصل الين الياباني خسائره ليسجل 160.33 ين للدولار، بعدما محا معظم مكاسبه الأخيرة. وكان الين قد استفاد قبل أكثر من شهر من تدخل رسمي من طوكيو بضخ 11.7 تريليون ين، أي ما يعادل 73.01 مليار دولار، حين اقترب من أدنى مستوياته منذ يوليو 2024.
لكن الضغوط عادت إلى العملة اليابانية مع صعود الدولار من جهة، ومع توقعات بأن بنك اليابان قد يرفع أسعار الفائدة خلال هذا الشهر إذا لم يشهد الشرق الأوسط تصعيدا حادا يربك الأسواق. كما أن ارتفاع أسعار الوقود، الناتج عن التوترات الجيوسياسية وأزمة الطاقة، يضيف مزيدا من الضغوط التضخمية على الاقتصاد الياباني.
تداخل السياسة النقدية مع مخاطر الطاقة
تأتي حركة العملات الحالية في لحظة يتقاطع فيها عاملان أساسيان: تشديد التوقعات بشأن السياسة النقدية الأمريكية، ومخاوف اضطراب أسواق الطاقة. فكلما أظهرت البيانات الأمريكية متانة أكبر، ازدادت فرص بقاء الدولار قويا، في حين تتعرض العملات الأخرى لضغط إضافي إذا تزامن ذلك مع ارتفاع تكاليف الاستيراد والوقود.
كما أن التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط تظل حاضرة بقوة في حسابات المستثمرين، ليس فقط عبر تأثيرها المباشر على أسعار النفط، بل أيضا من خلال انعكاساتها على قرارات البنوك المركزية وتوقعات التضخم وأسعار الفائدة العالمية.
وفي هذا السياق، يبدو أن أسواق الصرف تواصل إعادة تسعير موازين القوة بين العملات الرئيسية، مع بقاء البيانات الأمريكية وتطورات الطاقة العاملين الأكثر تأثيرا في اتجاهات التداول خلال المرحلة المقبلة.