الأعمال والاقتصاد الرقمي 11-Jun-2026 5 دقائق قراءة

السندات تعود إلى الواجهة مع تصاعد المخاوف من التضخم وتباطؤ النمو العالمي

بعد أن فقدت السندات الحكومية بعضاً من بريقها كملاذ آمن خلال موجة التوترات الجيوسياسية الأخيرة، يرى مديرو صناديق أن أدوات الدخل الثابت قد تستعيد دورها الدفاعي إذا بدأ التضخم في الضغط على النمو العالمي وتراجعت شهية المخاطرة في أسواق الأسهم.

تواجه السندات الحكومية العالمية اختباراً جديداً بعد أن عجزت عن القيام بدورها التقليدي كأداة تحوط في فترات الاضطراب الجيوسياسي. فعلى الرغم من تراجع الأسهم في بداية موجة التوترات المرتبطة بالحرب مع إيران، فإنها سرعان ما استعادت جزءاً كبيراً من خسائرها، مستفيدة من الزخم القوي لأسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بينما بقيت السندات تحت ضغط صعود العوائد والمخاوف من استمرار التضخم.

هذا الأداء غير المتوازن أعاد النقاش حول مدى قدرة أدوات الدخل الثابت على استعادة مكانتها الدفاعية. فمع بقاء الأسواق قرب مستويات قياسية، وتداول الأسهم عند تقييمات مرتفعة، يرى عدد من مديري الأصول أن أي تحول في مسار التضخم أو النمو قد يبدل المشهد سريعاً، ويمنح السندات فرصة للعودة إلى الواجهة بوصفها ملاذاً أكثر جاذبية من الأسهم.

تدفقات لا تلغي الضعف في الأداء

رغم الضغوط التي تعرضت لها أسواق الدين، لم يبتعد المستثمرون عنها بالكامل. فقد استقطبت صناديق السندات الحكومية في الأسواق المتقدمة تدفقات صافية بلغت 12 مليار دولار منذ اندلاع الحرب، وهو ما يعكس استمرار الحاجة إلى الأصول الدفاعية، حتى وإن لم يترجم ذلك إلى أداء سعري قوي حتى الآن.

في المقابل، سجلت سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات عائداً سلبياً بنحو 1.5 في المائة منذ أواخر فبراير، في إشارة إلى خسارة تراكمية للمستثمرين خلال الفترة الأخيرة. أما السندات الحكومية الألمانية لأجل عشر سنوات، فقد هبطت بنحو 2.4 في المائة، بينما واصل مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» تسجيل مكاسب قوية منذ اندلاع الحرب، ما وسع الفجوة بين أداء الأسهم وأداء السندات.

وتشير هذه الأرقام إلى أن السوق لم تعد تتعامل مع السندات باعتبارها ملاذاً مضموناً في كل الظروف. فحين ترتفع المخاوف من التضخم وتبقى التوقعات الاقتصادية صلبة نسبياً، تميل العوائد إلى الارتفاع، وتفقد السندات جزءاً من جاذبيتها قصيرة الأجل، حتى لو ظلت ضرورية في بناء المحافظ المتوازنة.

الأسهم عند قمم مرتفعة والسندات أرخص نسبياً

لا تزال أسواق الأسهم في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا قريبة من مستوياتها القياسية، مدفوعة بأرباح الشركات واستمرار الرهان على الذكاء الاصطناعي. غير أن هذه الارتفاعات جعلت التقييمات أكثر حساسية لأي مفاجآت سلبية، سواء جاءت من التضخم أو من الفائدة أو من تعطل سلاسل الإمداد.

في هذا السياق، تبدو السندات أكثر إغراءً بالنسبة لبعض المستثمرين، خاصة مع وصول عوائد أدوات الدين إلى مستويات لم تُرَ منذ سنوات طويلة في بعض الأسواق. فالعائد على السندات الألمانية لأجل عشر سنوات يقترب من أعلى مستوى له في 15 عاماً، بينما بلغ عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات أعلى مستوياته منذ نحو ثلاثة عقود. وهذه القفزات في العوائد تجعل الدخل الثابت خياراً منافساً من جديد، لا سيما للمؤسسات الباحثة عن عائد مستقر ومخاطر أقل من الأسهم.

ويقول مديرو صناديق إن المقارنة بين الأسهم والسندات أصبحت أقل وضوحاً مما كانت عليه قبل سنوات. فحين تكون التقييمات في الأسهم مرتفعة للغاية، ويصبح أي تباطؤ اقتصادي كفيلاً بإعادة تسعير المخاطر، يمكن للسندات أن تستعيد دورها التقليدي كأداة توازن داخل المحافظ الاستثمارية.

التضخم والنمو العاملان الحاسمان

المعادلة الأساسية في هذه المرحلة هي العلاقة بين التضخم والنمو. فإذا استمرت الضغوط السعرية في الارتفاع بسبب الطاقة أو سلاسل الإمداد، فسيبقى العائد على السندات تحت ضغط، لأن الأسواق ستسعّر مساراً أكثر تشدداً من البنوك المركزية. لكن إذا بلغ التضخم ذروته وبدأ بالتراجع بالتوازي مع تباطؤ النشاط الاقتصادي، فإن العوائد قد تنخفض مجدداً، وترتفع أسعار السندات.

وترى مؤسسات مالية أن الأسواق ربما لم تُسعّر بالكامل مخاطر تباطؤ النمو. فمع انتقال الاضطرابات الجيوسياسية إلى أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والإنتاج، قد تتحول صدمة التضخم نفسها إلى عبء على النمو العالمي، وهو السيناريو الذي يميل عادة إلى دعم السندات الحكومية عالية الجودة.

ويعزز هذا الاحتمال أن المستثمرين ما زالوا حذرين تجاه مسار أسعار الفائدة. فالبنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، لا تزال قادرة على الإبقاء على السياسة النقدية المشددة أو العودة إلى رفع الفائدة إذا استمرت البيانات في إظهار صلابة اقتصادية مع تضخم مرتفع. وفي مثل هذا الوضع، تكون الأصول عالية المخاطر، وفي مقدمتها الأسهم، أكثر عرضة للتقلب من السندات.

النفط وممرات الشحن يحددان الاتجاه

يبقى النفط أحد أهم المتغيرات في هذه القصة. فاستمرار تعطل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الوقود اليومية في العالم، قد يدفع أسعار الخام إلى مستويات أعلى بكثير، ما يزيد من مخاطر التضخم ويضغط على المستهلكين والشركات والحكومات على حد سواء.

وفي حال ارتفعت أسعار النفط إلى نطاقات مفرطة، فإن الأسواق قد تنتقل من القلق بشأن التضخم إلى القلق بشأن النمو. هذا التحول عادة ما يكون داعماً للسندات، لأن المستثمرين يبدأون عندها في البحث عن الأصول الأقل حساسية للركود المحتمل. وبالتالي، فإن أي تصعيد إضافي في التوترات الجيوسياسية قد لا يكون سلبياً بالكامل على الدخل الثابت، بل قد يعيد إليه بعضاً من وظيفته الأصلية كأداة دفاعية.

ولا تقتصر المخاطر على الطاقة وحدها. فاضطراب سلاسل الإمداد العالمية، سواء بسبب صراع في الشرق الأوسط أو بسبب توترات أوسع في آسيا، قد يضر مباشرةً بقطاعات التكنولوجيا والصناعة والسيارات، وهي قطاعات تعتمد على تدفق مستقر للمدخلات والمكونات الدقيقة.

التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لا يلغيان الحاجة إلى التحوط

استمرار صعود أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي شكّل عاملاً داعماً للأسواق خلال الأشهر الماضية، لكنه في الوقت نفسه زاد من تركّز المخاطر في عدد محدود من الشركات والقطاعات. ومع بروز شركات خاصة ضخمة في هذا المجال، وارتفاع التوقعات بشأن الطروحات والإدراجات المستقبلية، أصبحت قيمة السوق أكثر اعتماداً على سردية النمو السريع.

غير أن هذه السردية لا تلغي حقيقة أن التقييمات المرتفعة تجعل الأسهم أكثر عرضة لصدمة مفاجئة. فإذا تراجعت الأرباح أو ارتفعت الفائدة أو ضعفت الشهية العالمية للمخاطرة، ستتجه أنظار المستثمرين مرة أخرى إلى السندات بحثاً عن توازن أكبر داخل المحافظ.

لذلك، لا يبدو أن السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت السندات ستعود أم لا، بل متى وبأي قوة. فكلما أصبحت البيانات الاقتصادية أكثر إشارة إلى تباطؤ النمو، وكلما اقترب التضخم من ذروته، زادت فرص عودة الدخل الثابت إلى موقعه التقليدي كأحد أهم ملاجئ رأس المال في فترات الاضطراب.

خلاصة المشهد

المشهد الحالي لا يمنح السندات نصراً فورياً، لكنه يضعها في موقع أفضل مما كانت عليه قبل أشهر. فالعوائد المرتفعة أصبحت أكثر إغراءً، والأسهم تبدو مكلفة نسبياً، والتوترات الجيوسياسية فتحت الباب أمام إعادة تسعير واسعة للمخاطر. وإذا تحولت صدمة التضخم إلى تباطؤ اقتصادي فعلي، فقد تستعيد السندات سريعاً دورها الدفاعي التقليدي داخل الأسواق العالمية.