دعا عدد من كبار التنفيذيين في شركات الذكاء الاصطناعي إلى تبني قواعد أكثر صرامة في الولايات المتحدة للحد من احتمال استخدام هذه التقنيات في تطوير أسلحة بيولوجية. وتأتي هذه الدعوة في وقت تتسارع فيه قدرات النماذج التوليدية، بينما تزداد المخاوف من أن المعرفة التي كانت صعبة الوصول سابقاً قد تصبح أسهل بكثير في التداول والاستغلال.
ومن بين الموقّعين على رسالة علنية موجهة إلى المشرعين الأميركيين: سام ألتمان من OpenAI، وديميس هاسابيس من Google DeepMind، وداريو أمودي من Anthropic، و مصطفى سليمان من Microsoft AI. وتدعو الرسالة إلى إلزام الشركات التي تبيع الحمض النووي الصناعي والحمض النووي الريبي الصناعي بفحص العملاء والطلبات، بحيث لا تصل المواد الجينية الحساسة إلى جهات قد تستغلها بشكل ضار.
لماذا يتركز القلق على الحمض النووي الصناعي
تحولت عملية تصنيع التسلسلات الجينية، التي كانت في الماضي معقدة ومحدودة للغاية، إلى صناعة رقمية مؤتمتة. اليوم، تستطيع شركات في عدة دول طباعة وتسليم تسلسلات مخصصة تُستخدم في الأبحاث الطبية وتطوير الأدوية وأعمال التشخيص. لكن هذا التطور فتح الباب أيضاً أمام احتمال إساءة الاستخدام، خصوصاً عندما لا تلتزم جميع الشركات بإجراءات تدقيق صارمة على المشترين أو على التسلسلات المطلوبة.
وتوضح الرسالة أن التقدم السريع في الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تآكل الحواجز المعرفية التي كانت تعرقل وصول جهات سيئة النية إلى أدوات بيولوجية خطرة. وهذا لا يعني أن بناء عامل ممرض من الصفر أصبح أمراً سهلاً، لكنه يعني أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد في تضييق الفجوة بين الفكرة والتنفيذ، أو في إرشاد المستخدمين إلى طرق تتفادى آليات الفحص الحالية.
تجربة سابقة أظهرت هشاشة أنظمة الفحص
المخاوف الحالية ليست نظرية بالكامل. فقد أظهر باحثون في شركة مايكروسوفت العام الماضي أن أدوات تصميم البروتينات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي قادرة على اقتراح تسلسلات جينية قد تمر عبر أنظمة الفحص المستخدمة لدى بعض شركات تصنيع الجينات، رغم أنها قد تحمل صفات خطرة. وأبرزت تلك النتائج أن الاعتماد على الفلترة الآلية وحدها قد لا يكون كافياً لمنع كل محاولات التلاعب.
وتزداد أهمية هذه المخاوف لأن بعض أنواع المخاطر البيولوجية لا تتطلب سوى ثغرات محدودة كي تتحول إلى تهديد واسع. فمقارنة بالتقنيات التقليدية، يتيح الذكاء الاصطناعي سرعة أكبر في الاستكشاف والتجريب وتوليد البدائل، ما يفرض على الجهات التنظيمية التفكير في طبقات متعددة من الحماية بدل الاكتفاء بأداة واحدة.
ضغط من خبراء الأمن الحيوي وشركات الجينات
الرسالة لم تقتصر على قادة شركات الذكاء الاصطناعي. فقد وقع عليها أيضاً علماء وخبراء في الأمن القومي، إلى جانب مسؤولين تنفيذيين من شركات تعمل في مجال تصنيع الجينات مثل Twist Bioscience وAnsa Biotechnologies. وتنتمي هذه الشركات إلى اتحاد دولي تأسس في 2009 لوضع ممارسات طوعية لفحص الطلبات، وهو ما يعكس وجود إدراك مبكر لدى القطاع نفسه لضرورة ضبط السوق.
وبحسب متخصصين في المجال، فإن كثيراً من الشركات تستخدم بالفعل برامج لفحص ما يُعرف بـ"التسلسلات المثيرة للقلق"، وهي التسلسلات التي قد تسهم في زيادة السمية أو في تمكين الكائنات الدقيقة من إحداث المرض. لكن التغطية ليست كاملة، كما أن فعالية الفحص تختلف من مزود إلى آخر، ما يخلق فجوات يمكن استغلالها.
تشريعات قائمة ومحاولات لتوسيع الرقابة
على المستوى الفيدرالي، سبق أن فرضت إرشادات أُقرت خلال إدارة بايدن على العلماء والشركات التي تتلقى تمويلاً حكومياً أن تتعامل مع مزودي تسلسلات جينية يطبقون الفحص. كما طُرح في مجلس الشيوخ مشروع قانون ثنائي الحزب يهدف إلى إلزام جميع مزودي تصنيع الجينات العاملين داخل الولايات المتحدة بفحص الطلبات والعملاء بحثاً عن مؤشرات على نوايا ضارة أو ارتباط بمواد ممرضة خطرة.
هذه التطورات تشير إلى أن النقاش لم يعد محصوراً في الأوساط الأكاديمية أو التقنية، بل انتقل إلى مستوى تشريعي واضح. ومع ذلك، لا تزال هناك أسئلة عملية حول كيفية تنفيذ الفحص على نطاق واسع، ومن سيتحمل المسؤولية إذا أخفقت أدوات التدقيق في التقاط طلبات مشبوهة.
الذكاء الاصطناعي قد يصبح نقطة تفتيش إضافية
يرى بعض الخبراء أن شركات الذكاء الاصطناعي نفسها يجب أن تتحمل جزءاً أكبر من المسؤولية، لا سيما إذا كانت نماذجها قادرة على تقديم إرشادات تتعلق بالبيولوجيا أو الكيماويات أو تصميم البروتينات. ووفق هذا التصور، لا يكفي أن تراقب شركات الجينات ما يصلها من طلبات، بل يجب أيضاً أن تضع مختبرات الذكاء الاصطناعي حواجز تمنع الاستخدام الذي يمكن أن يؤدي إلى ضرر فوري أو كارثي.
ويحذر المدافعون عن هذا النهج من أن النموذج نفسه قد يساعد المستخدم، عن قصد أو عن غير قصد، في البحث عن طرق للالتفاف على أنظمة الفحص أو تعديل الطلبات بما يجعلها أقل قابلية للاكتشاف. لذلك، تصبح حماية المنظومة بأكملها، من النموذج إلى مزود الخدمة إلى المشرّع، ضرورة لا خياراً.
بين الابتكار والمسؤولية التنظيمية
تكشف هذه الرسالة عن مرحلة جديدة في علاقة شركات الذكاء الاصطناعي بالحوكمة العامة. فبعد سنوات كان التركيز فيها على التوسع والمنتج والسباق التقني، باتت شركات كبرى تعترف علناً بأن بعض الاستخدامات قد تتجاوز قدرة السوق على الضبط الذاتي. وهذا الاعتراف مهم خصوصاً في مجالات تتقاطع فيها البرمجيات مع علوم الحياة، حيث قد تكون كلفة الخطأ أعلى بكثير من أي قطاع تكنولوجي آخر.
وبالنسبة إلى الشركات الناشئة العاملة في الذكاء الاصطناعي أو البيوتكنولوجيا، فإن الرسالة واضحة: النمو السريع لم يعد منفصلاً عن متطلبات الامتثال والأمن. فالأسواق التي تتعامل مع بيانات جينية أو نماذج قادرة على اقتراح بنى بروتينية حساسة ستواجه على الأرجح تدقيقاً أكبر من المستثمرين والمشرعين والعملاء على حد سواء.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو الدعوة الحالية محاولة مبكرة لوضع خطوط حمراء قبل أن تسبق القدرة التقنية الأطر القانونية. وإذا نجحت، فقد تشكل نموذجاً جديداً لكيفية تعامل قطاع الشركات الناشئة مع التقنيات ذات الاستخدام المزدوج، حيث لا يكون الابتكار وحده هو المعيار، بل أيضاً درجة الأمان التي يضمنها للمجتمع.