أعاد تحقيق مايكروسوفت الداخلي حول استخدام خدماتها السحابية وأدوات الذكاء الاصطناعي في سياق الحرب على غزة فتح ملف حساس داخل صناعة التكنولوجيا العالمية: إلى أي مدى تتحمل الشركات مسؤولية استخدام منتجاتها في العمليات الحكومية والعسكرية؟ وما الذي يعنيه ذلك بالنسبة للشركات الناشئة التي تبني أعمالها على عقود المؤسسات العامة والدفاعية؟
القضية لم تعد مجرد نقاش أخلاقي أو سياسي، بل تحولت إلى اختبار عملي لآليات الحوكمة داخل شركات التقنية، من الفحص المسبق للعملاء، إلى متابعة الاستخدام النهائي للتكنولوجيا، وصولاً إلى الاستجابة لضغوط الموظفين والمنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام. وفي الوقت نفسه، تُظهر التطورات أن الشركات التي تنخرط في صفقات مع جهات حكومية حساسة قد تجد نفسها في قلب مساءلة تمتد إلى نموذج أعمالها بأكمله.
ما الذي كشفه تحقيق مايكروسوفت
بدأت مايكروسوفت التحقيق بعد تقارير صحفية زعمت أن أجهزة عسكرية إسرائيلية استخدمت تقنياتها السحابية في عمليات مرتبطة بمراقبة الفلسطينيين. وبعد أشهر، أعلنت الشركة أنها أنهت مراجعة خارجية أظهرت وجود أدلة على استخدام وزارة الدفاع الإسرائيلية لخدمات Azure وأدوات مايكروسوفت للذكاء الاصطناعي.
لكن الشركة لم تذهب أبعد من ذلك في استنتاجاتها العلنية. فالمراجعة لم تحدد بشكل قاطع كيفية استخدام هذه التقنيات، ولا ما إذا كانت قد أسهمت مباشرة في عمليات المراقبة أو الاستهداف داخل غزة. ومع ذلك، اتخذت مايكروسوفت خطوات عملية، من بينها تعليق بعض الاشتراكات والخدمات المرتبطة بوزارة الدفاع الإسرائيلية، ثم الإعلان عن تحسينات في آليات مراجعة العقود المصنفة ضمن الأمن القومي، وتوسيع قنوات الإبلاغ الداخلي للموظفين.
هذه الخطوات، رغم محدوديتها، كانت كافية لدفع مراقبين إلى وصف التحقيق بأنه سابقة غير معتادة في قطاع التكنولوجيا، لأنه جاء بعد ضغوط خارجية ورصد صحفي وانتقادات داخلية، لا نتيجة مبادرة وقائية استباقية.
لماذا تهم هذه القضية الشركات الناشئة
في ظاهرها، تبدو القضية مرتبطة فقط بشركات عملاقة مثل مايكروسوفت وغوغل وأمازون. لكن أثرها يمتد بوضوح إلى الشركات الناشئة، خصوصاً تلك التي تعمل في مجالات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأمن السيبراني. فهذه الشركات غالباً ما تبدأ بالنمو عبر عقود مع مؤسسات حكومية أو جهات أمنية أو متعاقدين كبار، ثم تكتشف لاحقاً أن سمعتها، ومخاطرها القانونية، ومسار تمويلها باتت مرتبطة بطريقة استخدام منتجاتها.
بالنسبة للشركات الناشئة، لا يكفي بناء تقنية قوية أو عرض أداء متفوق. فالمستثمرون والشركاء والحكومات باتوا يسألون أيضاً عن: من يستخدم الخدمة؟ وفي أي سياق؟ وهل توجد ضمانات تمنع إساءة الاستخدام؟ وهل لدى الشركة سياسة واضحة للتعامل مع الطلبات المرتبطة بالمراقبة أو الاستخدامات العسكرية أو انتهاكات حقوق الإنسان؟
التحقيق في حالة مايكروسوفت يوضح أن الفشل في الإجابة المبكرة عن هذه الأسئلة قد يفرض كلفة أعلى بكثير لاحقاً، سواء في شكل تدقيق تنظيمي أو نزيف في الثقة أو احتجاجات الموظفين أو حتى قيود على بعض العقود.
شركات أخرى تحت المجهر
لم تكن مايكروسوفت وحدها في دائرة التساؤلات. فقد تعرضت غوغل وأمازون أيضاً لضغوط من منظمات حقوقية ونشطاء لإنهاء ارتباطاتهما بالحكومة الإسرائيلية. وفي مقدمة هذه الملفات مشروع Nimbus، وهو عقد ضخم يربط الشركتين بتقديم بنية تحتية سحابية وقدرات ذكاء اصطناعي للجهات الحكومية الإسرائيلية.
بحسب المعطيات المتداولة، بلغت قيمة المشروع نحو 1.2 مليار دولار، ويشمل خدمات للبنية الرقمية الحكومية. وقد أثار المشروع انتقادات من موظفين حاليين وسابقين ومنظمات متخصصة، التي قالت إن هذه القدرات قد تُستخدم في تخزين وتحليل كمّيات كبيرة من المعلومات الاستخباراتية عن الفلسطينيين.
ورغم أن غوغل حاولت التقليل من الارتباطات العسكرية للمشروع، فإن استمرار الجدل يبرز مشكلة متكررة في الصناعة: كثير من الشركات تضع حدود الاستخدام في العقود، لكن الواقع التشغيلي قد يكون أكثر تعقيداً من النصوص القانونية، خصوصاً عندما تنتقل الخدمات إلى مؤسسات سيادية أو بيئات نزاع نشطة.
ميتا ومسألة العناية الواجبة
الملف لا يقتصر على البنية التحتية السحابية. فشركة ميتا بدورها أجرت مراجعة مستقلة لحقوق الإنسان بعد تصاعد التوتر في 2021 بين إسرائيل وفلسطين. وأظهرت المراجعة أن الشركة كانت على ما يبدو تشدد القيود على المحتوى المنشور بالعربية في إسرائيل وفلسطين بشكل أكبر من المحتوى العبري، ما أثار تساؤلات حول الإنصاف في أنظمة الإشراف على المحتوى.
وفي تحديث لاحق، قالت الشركة إنها نفذت معظم التوصيات التي طرحتها الجهة المستقلة، مع استمرار العمل على بعض البنود وإغلاق أخرى. كما أشارت إلى إدخال تحسينات تشغيلية، من بينها مطابقة المحتوى مع مشرفين يفهمون اللهجات العربية المحلية، وتعديل بعض سياسات “المنظمات والأفراد الخطرين” لإتاحة مساحة أوسع للنقاش الاجتماعي والسياسي في بعض الحالات.
ومع ذلك، ظل موقف المجتمع المدني حذراً. فالانتقادات الأساسية لا تتعلق فقط بتصحيح الأخطاء بعد وقوعها، بل بسؤال أعمق: لماذا لا تُبنى أنظمة الفحص الحقوقي واللغوي قبل الانكشاف العلني للأزمة؟
الشفافية المتأخرة أم الحوكمة الاستباقية؟
أحد أبرز دروس هذه القضية هو أن كثيراً من إجراءات العناية الواجبة في قطاع التكنولوجيا تأتي بعد وقوع الضرر أو بعد الضغوط العلنية. هذا النمط يجعل الشركات تبدو وكأنها تتحرك دفاعاً عن السمعة أكثر من تحركها التزاماً مبكراً بمبادئ حقوق الإنسان.
المفارقة أن الأدوات التي تروج لها الشركات الناشئة اليوم، مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي وتحليل البيانات واسع النطاق وأتمتة القرار، يمكن أن تتحول إلى نقاط ضعف إذا لم تُبنَ منذ البداية مع ضوابط استخدام واضحة. فكلما زادت قدرة المنتج على التوسع داخل مؤسسات حساسة، زادت الحاجة إلى تتبع الاستخدامات، والتدقيق في العملاء، وتحديد السلطات المخولة بطلب البيانات أو الاستفادة من النماذج.
بالنسبة للمستثمرين في الشركات الناشئة، هذا يعني أن الحوكمة لم تعد بنداً ثانوياً. بل أصبحت جزءاً من تقييم المخاطر، مثلها مثل الأمن السيبراني وحماية البيانات وقابلية التوسع والامتثال القانوني.
ما الذي ينتظره القطاع التقني
حتى الآن، لا توجد مؤشرات على أن جميع الشركات الكبرى ستسير في الاتجاه نفسه الذي اتخذته مايكروسوفت. لكن الضغط يتزايد على القطاع لكي يوضح كيف يوازن بين الربح والالتزامات الحقوقية، خاصة في البيئات المرتبطة بالنزاعات المسلحة أو المراقبة الواسعة أو الاستخدامات العسكرية غير المعلنة.
بالنسبة للشركات الناشئة، الرسالة الأوضح هي أن القرارات المبكرة بشأن نوع العملاء، وقطاعات التشغيل، وطبيعة البيانات التي يمكن الوصول إليها أو تخزينها، قد تحدد لاحقاً مصير الشركة أكثر مما يفعل المنتج نفسه. وكلما كانت الشركة أكثر قرباً من حكومات أو جهات أمنية، زادت حاجتها إلى وثائق شفافة، ومراجعات مستقلة، وسياسة داخلية قادرة على الصمود أمام التدقيق العام.
في بيئة تقنية تتداخل فيها الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والعقود السيادية، لم يعد السؤال فقط عن قدرة الشركة على النمو، بل عن قدرتها على تفسير كيفية استخدام هذا النمو. وهذه، ربما، هي الساحة الجديدة التي ستُختبر فيها الشركات الناشئة خلال السنوات المقبلة.