خطوة تشريعية لتنظيم سوق الأصول الرقمية
أقر مجلس الدوما الروسي مشروع قانون يهدف إلى مواءمة النظام الضريبي مع القواعد الجديدة الخاصة بتداول العملات الرقمية والحقوق الرقمية، في خطوة تعكس انتقال السوق الروسية من مرحلة الغموض التنظيمي إلى إطار أكثر وضوحا للضرائب والامتثال.
ويأتي هذا التحرك في وقت تتوسع فيه أنشطة التداول والتعدين داخل روسيا، ما دفع المشرعين إلى صياغة قواعد تحدد كيفية التعامل مع الإيرادات المرتبطة بهذه الأنشطة ضمن المنظومة الضريبية الرسمية.
متى تبدأ القواعد الجديدة في التطبيق
ينص المشروع على إدخال آليات جديدة على مراحل زمنية محددة. فابتداء من 1 يناير 2026، ستدخل الإيرادات والمصروفات المرتبطة بالأصول المالية الرقمية الافتراضية ضمن الوعاء الضريبي لضريبة الأرباح، ما يمنح السلطات أساسا أوضح لاحتساب الدخل الخاضع للضريبة.
أما اعتبارا من 1 يناير 2028، فسيتم احتساب الدخل الناتج عن تعدين العملات الرقمية وفق سعر السوق في تاريخ الاعتراف بالإيراد، وهو تغيير مهم لأنه يربط القيمة الضريبية بالسعر الفعلي للأصل في لحظة تحقق الدخل، بدلا من الاعتماد على تقديرات أو آليات أقل وضوحا.
وفي مرحلة لاحقة، اعتبارا من 1 يناير 2030، سيجري إدخال شروط للاعتراف بالأصول المالية الرقمية الافتراضية باعتبارها أصولا قابلة للتداول في سوق الأوراق المالية الروسية، ما يشير إلى إمكانية دمج أوسع لهذه الأدوات داخل البنية المالية المنظمة في البلاد.
ما الذي يعنيه ذلك لشركات المنصات والبنية التحتية
أحد البنود البارزة في المشروع يتمثل في إعفاء شركات البنية التحتية، مثل البورصات وأمناء الحفظ، من ضريبة القيمة المضافة. ويهدف هذا الإعفاء إلى تجنب تحميل هذه الخدمات برسوم إضافية قد تنتقل مباشرة إلى العمولات، بما قد يرفع الكلفة على المستخدمين ويضغط على السوق الناشئة.
هذا النوع من الإعفاءات يعكس توجها تشريعيا يوازن بين هدفين متوازيين: تحصيل الضرائب من الأنشطة الرقمية، وفي الوقت نفسه عدم خنق الخدمات التي تشكل العمود الفقري لسوق العملات المشفرة.
ضريبة الدخل الشخصي والتعدين تحت الرقابة
في ما يتعلق بضريبة الدخل الشخصي، يعتمد المشروع مبدأ قيام المنصة التي تمر عبرها الأموال بحسم الضريبة مباشرة. ويمثل هذا الترتيب محاولة لتبسيط الامتثال الضريبي وتقليل فرص التهرب أو التأخير في السداد، مع تحميل جهة التنفيذ مسؤولية الخصم في المصدر.
أما في ملف التعدين، فالتعديل المقترح يستهدف واحدة من الثغرات الأكثر إثارة للجدل في القطاع. وبدلا من احتساب الضريبة على أساس ما أعلنه المُعدِّن أو ما قد يصرح به لاحقا، سيجري الاعتماد على السعر السوقي للعملة التي تم تعدينها عند لحظة الاعتراف بالدخل. وبذلك، تصبح القيمة الضريبية أكثر ارتباطا بالواقع، وتضيق مساحة البيع غير المعلن أو التسعير المنخفض المتعمد.
رسالة سياسية-اقتصادية: تقنين لا حظر
يرى مشرعون روس أن التشريع الجديد يهدف قبل كل شيء إلى إخراج سوق العملات الرقمية من المنطقة الرمادية. ووفق هذا المنطق، فإن المشكلة لم تكن في وجود النشاط ذاته، بل في غياب قواعد واضحة تسمح للدولة بمتابعته وجباية مستحقاته الضريبية بشكل منتظم.
كما يشير هذا التوجه إلى رغبة في التعامل مع العملات المشفرة كجزء من الاقتصاد الرقمي لا كظاهرة هامشية. فحين تصبح القواعد أكثر وضوحا، قد يجد المستثمرون والمعدنون والمنصات إطارا قانونيا يقلل المخاطر التنظيمية ويزيد الشفافية، بينما تحصل الدولة على أدوات أفضل لاحتساب الإيرادات ومنع التسرب الضريبي.
أثر محتمل على السوق الروسية
قد يفتح القانون الجديد الباب أمام بيئة أكثر استقرارا للأعمال المرتبطة بالأصول الرقمية، خاصة إذا تزامن مع وضوح في تطبيق اللوائح وإجراءات الامتثال. فالسوق التي كانت تعمل جزئيا في مساحة غير منظمة قد تصبح أكثر قابلية للقياس والمراجعة والمراقبة الضريبية.
وفي المقابل، قد يرفع التشديد في احتساب الدخل وتحديد الأسعار المرجعية من متطلبات الامتثال على الأفراد والشركات النشطة في التعدين والتداول. لكن من وجهة نظر الحكومة، فإن الهدف الأساسي يتمثل في بناء نظام ضريبي يضمن العدالة ويحد من الأنشطة غير المصرح بها.
ويظهر من صياغة المشروع أن روسيا تتحرك نحو نموذج تنظيمي أكثر نضجا في مجال الأصول الرقمية، حيث لا يُنظر إلى هذا القطاع بوصفه استثناء، بل كجزء من المنظومة الاقتصادية التي يجب أن تخضع لقواعد واضحة في الإيراد والضريبة والإفصاح.