تحذير من أثر ممتد على الاقتصاد العالمي
أطلقت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تحذيراً جديداً بشأن تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على الاقتصاد العالمي، مشيرة إلى أن استمرار الاضطرابات قد يبطئ النمو ويرفع الضغوط التضخمية ويزيد احتمالات دخول بعض الاقتصادات في مرحلة ركود. ورأت المنظمة أن المخاطر لا تقتصر على المنطقة المنتجة للطاقة، بل تمتد إلى الأسواق الكبرى التي تعتمد على استقرار إمدادات النفط والغاز وتوازن الأسعار.
وبحسب أحدث تقديراتها الفصلية، فإن السيناريو الأساسي يفترض عودة صادرات النفط والغاز من دول الخليج إلى مستويات ما قبل النزاع خلال الربع الثالث، وهو ما قد يبقي النمو العالمي في حدود 2.8 في المائة خلال عام 2026، مقارنة بتوقع سابق عند 2.9 في المائة. لكن المنظمة أوضحت أن الصورة قد تتدهور بشكل واضح إذا استمرت الحرب لفترة أطول.
احتمال هبوط النمو إلى 2.1 في المائة
في السيناريو الأسوأ، الذي يفترض استمرار الحرب حتى العام المقبل، رجحت المنظمة أن يتراجع النمو العالمي إلى 2.1 في المائة فقط. وهذا المستوى يقل كثيراً عن متوسط النمو السنوي البالغ 3.4 في المائة خلال الفترة بين 2013 و2019، أي قبل جائحة كوفيد-19. ويعكس هذا التراجع حجم الحساسية التي لا يزال الاقتصاد العالمي يظهرها تجاه صدمات الطاقة وسلاسل الإمداد.
وقال كبير الاقتصاديين في المنظمة ستيفانو سكاربيتا إن طول أمد الاضطرابات يرفع التكلفة الاقتصادية والاجتماعية، معتبراً أن أثر الحرب لا يقتصر على الأسعار، بل يمتد إلى قرارات الشركات المتعلقة بالاستثمار والتوظيف. وأشار إلى أن تباطؤ الاستثمارات، بما في ذلك في بعض القطاعات كثيفة استهلاك الطاقة مثل الذكاء الاصطناعي، قد يضغط على الوظائف ويزيد البطالة في بعض البلدان.
الطاقة والأسمدة تحت الضغط
تربط المنظمة بين استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والمنتجات المرتبطة بالهيدروكربونات وبين الضغوط التي تواجهها الدول النامية، خصوصاً تلك التي تعتمد بدرجة عالية على استيراد الطاقة والغذاء. كما نبهت إلى أن أسعار الأسمدة وغيرها من المدخلات الزراعية قد تبقى مرتفعة إذا استمر التوتر في منطقة الخليج، ما ينعكس بدوره على تكاليف الإنتاج الغذائي وميزانيات الدعم في عدد من الدول.
وترى المنظمة أن أي اضطراب في أسواق النفط والغاز يخلق موجة تأثيرات متسلسلة تبدأ من تكاليف الشحن والتأمين وتنتهي عند أسعار السلع الاستهلاكية، وهو ما يفسر توقعاتها بارتفاع التضخم العالمي إلى 4 في المائة هذا العام، مقارنة بـ3.4 في المائة في عام 2025، حتى في حال انتهاء الحرب خلال الأسابيع المقبلة.
توقعات أضعف للولايات المتحدة ومنطقة اليورو
ضمن سيناريو الاضطرابات المؤقتة، تتوقع المنظمة أن يتباطأ النمو في الولايات المتحدة إلى 2 في المائة هذا العام، ثم إلى 1.8 في المائة في 2027، بعدما سجل الاقتصاد الأميركي نمواً عند 2.1 في المائة في العام الماضي. ويعكس هذا التقدير مزيجاً من ضعف الزخم الاستثماري واستمرار آثار أسعار الفائدة المرتفعة وعدم اليقين الخارجي.
أما في منطقة اليورو، حيث تعتمد دول كثيرة على واردات الطاقة، فتتوقع المنظمة أن يتراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 0.8 في المائة هذا العام، بعد 1.4 في المائة في العام الماضي، وذلك بافتراض التوصل إلى وقف إطلاق نار خلال الأسابيع المقبلة. ويشير هذا التقدير إلى هشاشة التعافي الأوروبي، خصوصاً في ظل الضغوط على الصناعة والنقل وكلفة الطاقة للمستهلكين والشركات.
تداعيات مباشرة على استثمار الطاقة النظيفة
أحد الجوانب اللافتة في هذه التطورات يتمثل في أن ارتفاع أسعار النفط والغاز أسهم في تنشيط الطلب على حلول الطاقة البديلة، لا سيما الطاقة الشمسية في ألمانيا. فقد أفادت مؤسسات وشركات عاملة في القطاع بأن أصحاب المنازل أبدوا اهتماماً أكبر بتركيب الأنظمة الكهروضوئية على الأسطح، بالتوازي مع مخاوف من تغييرات حكومية محتملة في دعم هذا القطاع.
وتظهر بيانات السوق أن القدرة المركبة الجديدة في قطاع المنازل بألمانيا ارتفعت في أبريل بنسبة 4 في المائة على أساس سنوي لتصل إلى 0.33 غيغاواط ذروة. غير أن الصورة الإجمالية منذ بداية العام لا تزال أضعف، إذ بلغت الإضافات الجديدة 1.24 غيغاواط ذروة خلال الأشهر الأربعة الأولى، بانخفاض 16 في المائة عن الفترة نفسها من العام الماضي. هذا التباين يعكس انتقال الطلب من مرحلة التراجع إلى موجة اهتمام جديدة لم تتحول بعد إلى نمو مستدام في التركيب الفعلي.
طلب متزايد على الأنظمة الشمسية ومضخات الحرارة
شركات التركيب الألمانية قالت إن الطلبات والاستفسارات ارتفعت بوضوح منذ اندلاع الحرب، خاصة مع ازدياد القلق من استمرار أسعار الطاقة المرتفعة ومن احتمال خفض الدعم الحكومي. وأشارت إحدى الشركات الكبرى في السوق إلى أن العملاء من الأفراد والشركات أظهروا اهتماماً أكبر بالأنظمة الشمسية ومضخات الحرارة، وأن قيمة الطلبات الجديدة خلال مارس وأبريل كانت أعلى بشكل ملحوظ من الفترة نفسها من العام السابق.
وفي المقابل، يرى ممثلو القطاع أن هذا الزخم قد لا يكون مضمون الاستمرار إذا استمرت الحكومة في تعديل قواعد الدعم بشكل متكرر. ويؤكدون أن القرارات التنظيمية غير المستقرة قد تدفع الأسر إلى تأجيل الاستثمار، رغم أن جزءاً كبيراً من المستهلكين ما زال مستعداً للمضي في المشاريع حتى مع تقليص الحوافز المالية.
الاستقرار التنظيمي شرط لجذب الاستثمار
الرسالة الأبرز في هذه التطورات هي أن صدمة الحرب لا تغيّر فقط اتجاهات الاقتصاد الكلي، بل تعيد أيضاً تشكيل سلوك المستثمرين والمستهلكين في الطاقة. فبينما يعزز ارتفاع أسعار الوقود الأحفوري الإقبال على البدائل النظيفة، يظل غياب الوضوح التنظيمي عامل كبح رئيسي أمام قرارات طويلة الأجل، سواء في الطاقة الشمسية أو في القطاعات الصناعية كثيفة الاستهلاك.
ومن هنا، تبدو الحاجة إلى سياسات مستقرة وقابلة للتنبؤ أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالشركات تحتاج إلى رؤية واضحة لتوجيه الإنفاق الرأسمالي، والأسر تحتاج إلى ثقة في أن استثماراتها في الطاقة المنزلية ستظل مجدية، فيما تحتاج الحكومات إلى موازنة أهداف التحول الطاقي مع حماية المستهلكين من موجات التضخم والاضطراب.
ومع استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي، تظل توقعات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بمثابة إنذار مبكر للأسواق: أي اضطراب ممتد في الطاقة يمكن أن يتحول سريعاً إلى تباطؤ أوسع في النمو العالمي، وارتفاع في الأسعار، وتراجع في شهية الاستثمار على مستوى دولي.