الأعمال والاقتصاد الرقمي 19-Jun-2026 5 دقائق قراءة

صندوق النقد: موانئ عُمان خارج مضيق هرمز تعزز المرونة الاقتصادية وترفع النمو إلى 3.7%

توقع صندوق النقد الدولي تسارع نمو الاقتصاد العُماني إلى 3.7% في 2026، مستنداً إلى موقع موانئ السلطنة خارج مضيق هرمز، واستمرار السياسة المالية الحصيفة، وتحسن الفوائض الخارجية والمالية.

مرونة اقتصادية في بيئة إقليمية مضطربة

أظهر الاقتصاد العُماني قدرة واضحة على امتصاص تداعيات التوترات في الشرق الأوسط، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، الذي ربط هذه المرونة بمزيج من العوامل اللوجستية والمالية، في مقدمتها تمركز موانئ السلطنة الرئيسية خارج نطاق الاختناق الملاحي في مضيق هرمز. ويرى الصندوق أن هذا الموقع يمنح عُمان أفضلية استراتيجية تساعدها على الحفاظ على تدفقات التجارة والإمدادات، حتى في فترات الاضطراب الإقليمي.

وبحسب التوقعات الجديدة، يرجح أن يرتفع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للسلطنة إلى 3.7% خلال عام 2026، مقارنة بنحو 2.4% في 2025، قبل أن يستقر عند 3% في 2027. ويعكس هذا المسار، وفق الصندوق، مزيجاً من ارتفاع إنتاج النفط، وتحسن الصادرات، واستمرار الانضباط المالي، إلى جانب محدودية التأثير المباشر للصراع على البنية الاقتصادية الأساسية.

ويشير هذا التقييم إلى أن الاقتصاد العُماني لم يتعرض لصدمة واسعة النطاق رغم الاضطرابات المحيطة، ما يعزز صورة السلطنة كاقتصاد قادر على الاستفادة من شبكات النقل البحري والبنية التحتية المرتبطة بالطاقة والتجارة، في وقت تتزايد فيه أهمية عوامل المرونة الجيوسياسية في أسواق الخليج.

النفط والغاز يحافظان على الزخم

أوضح صندوق النقد أن البنية التحتية لقطاع النفط والغاز الطبيعي في عُمان لم تتضرر من الصراع الإقليمي، وهو ما سمح للسلطنة بزيادة الإنتاج والصادرات في وقت شهدت فيه بعض أسواق المنطقة اضطرابات في الإمدادات. ويعد هذا العامل محورياً في تفسير تحسن المؤشرات الكلية، خصوصاً أن الاقتصاد العُماني لا يزال يستند بدرجة معتبرة إلى الإيرادات الهيدروكربونية.

وتفيد التقديرات بأن استمرار الاستقرار التشغيلي في القطاع النفطي منح الحكومة مساحة أفضل لتعزيز الإيرادات، ودعم الإنفاق العام من دون الإخلال بالتوازنات المالية. كما أن بقاء خطوط الإنتاج والتصدير خارج نطاق المخاطر المباشرة ساعد على الحد من الخسائر المحتملة التي كان من الممكن أن تنجم عن أي اضطراب أوسع في الممرات البحرية القريبة.

وفي بيئة إقليمية تتأثر فيها سلاسل الإمداد بسرعة، تبدو قدرة عُمان على الحفاظ على انتظام عملياتها النفطية واللوجستية أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية. كما أن هذه القدرة لا تنعكس فقط في مستويات النمو، بل تمتد إلى دعم الثقة الاستثمارية وطمأنة الأسواق بشأن استمرارية الإمدادات.

التضخم يرتفع والقطاعات غير النفطية تتباطأ مؤقتاً

رغم الصورة الإيجابية العامة، لفت صندوق النقد إلى أن الضغوط التضخمية بدأت تظهر بشكل أوضح خلال الأشهر الأولى من 2026. فقد ارتفع متوسط التضخم من نحو 1% في العام السابق إلى 2.8% على أساس سنوي بين يناير ومايو 2026، مدفوعاً بزيادة أسعار الأغذية والنقل. ويعكس ذلك انتقال بعض آثار الاضطرابات الإقليمية إلى كلفة المعيشة وسلاسل التوريد والخدمات اللوجستية.

كما توقعت المؤسسة الدولية أن تشهد بعض القطاعات غير النفطية، وفي مقدمتها الإنشاءات والسياحة، تباطؤاً مؤقتاً في النمو عند مستوى 2.5% خلال 2026، قبل أن ترتد إلى 3.2% في 2027 مع تحسن البيئة العامة. ويعني ذلك أن الصدمة، وإن كانت محدودة، لم تمر من دون أثر على النشاط المحلي خارج قطاع الطاقة.

ومع ذلك، فإن محدودية التأثير السلبي تؤكد، بحسب القراءة الاقتصادية، أن الاقتصاد العُماني يتمتع بقدر من التنوع النسبي والمرونة التنظيمية، بما يسمح له بموازنة الضغوط الخارجية عبر أدوات مالية ونقدية أكثر حذراً.

المالية العامة تسجل تحسناً واضحاً

على صعيد المالية العامة، رجح صندوق النقد اتساع فائض الموازنة العُمانية من 0.6% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025 إلى 4.5% في 2026، ثم 4.2% في 2027. ويعزى هذا التحسن إلى ارتفاع الإيرادات النفطية، إلى جانب استمرار السياسات المالية الحصيفة التي تبنتها السلطنة خلال السنوات الأخيرة.

وفي السياق نفسه، واصل دين الحكومة المركزية مساره النزولي، لينخفض إلى 34.7% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية العام الماضي. وتكتسب هذه النسبة أهمية خاصة في ظل تقلبات أسواق الطاقة، لأنها تمنح السلطات المالية مساحة أفضل لإدارة الصدمات المحتملة، وتمويل الأولويات الاقتصادية دون ضغوط مديونية مفرطة.

كما توقع الصندوق تحسن ميزان الحساب الجاري من عجز نسبته 1.9% في 2025 إلى فائض يقترب من 3% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026 و2027. ويعني ذلك أن عُمان قد تدخل مرحلة أكثر توازناً على مستوى التدفقات الخارجية، مستفيدة من زيادة الصادرات وتراجع الفجوة بين الواردات والعائدات.

النظام المصرفي يحتفظ بمتانته

أشاد صندوق النقد بصلابة القطاع المصرفي العُماني، مشيراً إلى أنه يعتمد على مستويات مريحة من السيولة والأرباح، إلى جانب مصدات مالية جيدة، وهو ما يعزز قدرته على امتصاص الصدمات. ويرتبط هذا الأداء، بحسب البيان، بالرقابة الحصيفة التي يمارسها البنك المركزي العُماني، والتي تسهم في الحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي.

وتعد متانة البنوك عاملاً أساسياً في دعم النشاط الاقتصادي، لأنها تؤثر مباشرة في تمويل الشركات والمشروعات والاستثمار الخاص. وفي حالة عُمان، يمنح هذا الاستقرار المؤسسات المالية القدرة على مواصلة الإقراض وتوفير التمويل للاقتصاد الحقيقي في بيئة تتسم بحساسية عالية تجاه التطورات الإقليمية وأسعار الطاقة.

كما أن قوة الميزانيات المصرفية تساعد على تقليل مخاطر العدوى المالية، وتوفر للحكومة والقطاع الخاص قناة أكثر أماناً لتمويل المشاريع، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالتجارة والخدمات والنقل والطاقة.

إصلاحات هيكلية مطلوبة لتعزيز النمو طويل الأجل

رغم النظرة الإيجابية، دعا صندوق النقد السلطات العُمانية إلى مواصلة الإصلاحات المرتبطة برؤية عُمان 2040، باعتبارها المسار الأهم لتحصين الاقتصاد على المدى الطويل. وتركزت توصياته على تطوير الإدارة الضريبية، ورفع شفافية الشركات المملوكة للدولة، وتعميق القطاع المالي، بما يوسع قاعدة النمو ويقلل الاعتماد على الإيرادات النفطية وحدها.

كما شدد البيان على أهمية التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة، ليس فقط لأسباب بيئية، بل أيضاً باعتبارها رافعة استراتيجية لتنويع القاعدة الإنتاجية وتحسين كفاءة الطاقة. وتكتسب هذه النقطة أهمية متزايدة مع تسارع التحول العالمي نحو مصادر الطاقة منخفضة الكربون، وتزايد الحاجة إلى اقتصاد قادر على المنافسة في أسواق تتغير بسرعة.

وفي المحصلة، يعكس تقييم صندوق النقد صورة لاقتصاد عُماني أكثر قدرة على الصمود، لكنه لا يزال بحاجة إلى تعميق الإصلاحات البنيوية لضمان استدامة النمو. فالموقع الجغرافي المتميز والسياسات الحصيفة يوفّران أساساً قوياً، لكن بناء مناعة اقتصادية طويلة الأمد يتطلب توسيع القاعدة غير النفطية، وتحسين الإنتاجية، ورفع كفاءة المؤسسات، وتطوير بيئة الأعمال بشكل مستمر.