الأعمال والاقتصاد الرقمي 22-Jun-2026 5 دقائق قراءة

تفاؤل مضيق هرمز يدفع مليارات الدولارات إلى صناديق الأسهم العالمية مع تحول السيولة نحو التكنولوجيا

أدت انفراجة سياسية مرتبطة بإعادة فتح مضيق هرمز إلى موجة شراء قوية في الأسواق العالمية، مع تدفقات قياسية إلى صناديق الأسهم، خاصة الأميركية والتكنولوجية، إلى جانب عودة السيولة بقوة إلى السندات وأسواق النقد.

انفراجة سياسية تعيد الثقة إلى الأسواق

شهدت صناديق الأسهم العالمية واحدة من أقوى موجات الشراء في ما يقرب من عام ونصف العام، بعدما دفع اتفاق مؤقت بين الولايات المتحدة وإيران المستثمرين إلى إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية وتوقع تحسن بيئة الطاقة والتضخم. وجاءت هذه الموجة في أعقاب مؤشرات على استئناف الملاحة في مضيق هرمز، ما عزز الرهانات على استقرار أكبر في سلاسل الإمداد وتراجع الضغوط على أسعار السلع الأساسية.

وبحسب بيانات مجموعة بورصة لندن، ضخ المستثمرون نحو 55.22 مليار دولار في صناديق الأسهم العالمية خلال أسبوع واحد، وهو أعلى مستوى منذ منتصف نوفمبر 2024. ويعكس هذا الرقم تحولاً سريعاً في شهية المخاطرة بعد فترة من الحذر، إذ رأى المستثمرون أن أي تهدئة في واحدة من أكثر النقاط حساسية في تجارة الطاقة العالمية قد تفتح الباب أمام بيئة مالية أقل تقلباً.

الاتفاق المؤقت نص على تمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً إضافية لإتاحة المجال أمام مفاوضات أوسع. كما شمل ترتيبات تعيد حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز من دون رسوم، وهو ما أزال في نظر الأسواق جزءاً مهماً من علاوة المخاطر التي أثقلت كلفة الشحن والطاقة خلال الأسابيع السابقة.

الأسهم الأميركية والتكنولوجيا في الصدارة

الاستفادة الأكبر جاءت من السوق الأميركية، حيث جذبت صناديق الأسهم الأميركية تدفقات بلغت 38.37 مليار دولار، وهو أعلى تدفق أسبوعي لها خلال 19 شهراً. وتزامن ذلك مع إقبال قوي على صناديق التكنولوجيا التي استقطبت 21.46 مليار دولار في أسبوع واحد، في إشارة إلى أن المستثمرين فضّلوا القطاعات ذات النمو المرتفع مع عودة الثقة إلى الأسواق.

كما سجلت صناديق الشركات الصغيرة والمتوسطة والمتعددة الشركات تدفقات إيجابية، بينما واجهت صناديق الشركات الكبرى صافي خروج للأموال. ويشير هذا التباين إلى أن جزءاً من المستثمرين اتجه إلى أسهم أكثر حساسية لتحسن دورة النشاط الاقتصادي، بدلاً من الاكتفاء بالمراكز الدفاعية التقليدية.

وعلى مستوى القطاعات، جاء القطاع الصناعي في مقدمة المستفيدين من موجة الشراء، تلاه القطاع المالي ثم المعادن والتعدين. وتوضح هذه الحركة أن الأسواق بدأت تراهن على انتعاش أوسع قد ينعكس على الشركات المرتبطة بالإنتاج والنقل والتمويل والسلع الأولية.

عودة السيولة إلى السندات وأسواق النقد

لم تقتصر موجة التحول على الأسهم فقط، بل امتدت إلى سوق الدخل الثابت. فقد واصلت صناديق السندات الأميركية جذب الأموال للأسبوع التاسع على التوالي، بصافي تدفقات بلغ 9.85 مليار دولار. وتصدر الاستثمار في السندات المحلية الخاضعة للضريبة والسندات الاستثمارية القصيرة والمتوسطة الأجل قائمة الفئات الأكثر طلباً، ما يعكس بحث المستثمرين عن توازن بين العائد والاستقرار.

وفي سوق السندات العالمية، استمرت التدفقات الإيجابية للأسبوع الحادي عشر على التوالي، مع صافي دخول بلغ 17.17 مليار دولار. وكان الإقبال ملحوظاً على سندات الشركات، إلى جانب السندات القصيرة الأجل والأدوات المقومة باليورو، وهو ما يشير إلى أن المستثمرين لا يزالون يفضّلون الأدوات ذات الرؤية الأقصر في ظل استمرار قدر من عدم اليقين.

كما عادت السيولة بقوة إلى صناديق أسواق النقد الأميركية، التي اجتذبت 53.25 مليار دولار بعد أسبوع كانت فيه قد سجلت مبيعات صافية. ويعكس هذا التحول أن بعض المستثمرين ما زال يفضّل الاحتفاظ بالنقد أو شبه النقد في انتظار وضوح أكبر بشأن اتجاهات السياسة النقدية والتوترات الجيوسياسية.

أوروبا وآسيا تستفيدان من تحسن المعنويات

التحسن لم يكن محصوراً بالولايات المتحدة، إذ جذبت الصناديق الأوروبية 10.66 مليار دولار، بينما استقطبت الصناديق الآسيوية 3.92 مليار دولار. ويظهر ذلك أن التحسن في المعنويات المالية كان واسع النطاق، وإن بدرجات مختلفة بين المناطق، مع استفادة واضحة للأسواق الأكثر ارتباطاً بالدورات الصناعية والتجارية.

وفي المقابل، استمرت صناديق الأسواق الناشئة في تسجيل خروج للأموال، سواء من الأسهم أو السندات. ويعني ذلك أن المستثمرين لم يتحولوا بشكل كامل إلى الأصول الأعلى مخاطرة، بل اختاروا في هذه المرحلة الأسواق المتقدمة ذات السيولة الأكبر والوضوح التنظيمي الأعلى.

الذهب يخسر بريق الملاذ الآمن

من اللافت أن صناديق الذهب والمعادن النفيسة الأخرى واصلت مواجهة الضغوط البيعية للأسبوع الخامس على التوالي، مع سحب استثمارات بلغ 1.78 مليار دولار. ويبدو أن تراجع الحاجة إلى الملاذات الآمنة، ولو مؤقتاً، دفع بعض المستثمرين إلى تقليص مراكزهم في المعادن النفيسة لصالح الأسهم والسندات.

في الظروف الطبيعية، يستفيد الذهب من أوقات الاضطراب السياسي والمالي، لكن هذه الدورة أظهرت أن الأسواق ترجّح سريعاً الأصول المعتمدة على النمو عندما تتراجع المخاطر أو يُعتقد أنها تتراجع. لذلك جاء الأداء الضعيف للذهب منسجماً مع موجة التفاؤل الأوسع التي أثارتها التطورات الجيوسياسية الأخيرة.

قراءة في دلالات التحول الاستثماري

تشير الأرقام إلى أن الأسواق لا تترجم الانفراجات السياسية فقط على أساسها المباشر، بل تبني عليها تقديرات أوسع تشمل التضخم وتكاليف الشحن وهوامش أرباح الشركات وكلفة التمويل. وفي هذا السياق، فإن أي تحسن في مسار مضيق هرمز لا ينعكس على الطاقة فحسب، بل يمتد إلى قطاعات متعددة مثل الصناعة والكيماويات والنقل والزراعة والتمويل.

لكن الصورة لا تزال غير مكتملة. فالتدفقات الضخمة إلى الأسهم لا تعني نهاية الحذر، إذ واصلت أسواق النقد والسندات جذب مبالغ كبيرة في الوقت نفسه. وهذا يشير إلى أن المستثمرين يوزعون مخاطرهم بين التفاؤل الحذر والرغبة في الاحتفاظ ببعض السيولة تحسباً لأي عودة مفاجئة للتوترات.

كما أن استمرار خروج الأموال من الأسواق الناشئة يوضح أن موجة الشراء الحالية تظل انتقائية، وليست اندفاعاً شاملاً نحو المخاطرة. فالمستثمرون يفضلون حالياً الأسواق الأعمق والأكثر قدرة على امتصاص التغيرات السريعة، بينما تبقى الاقتصادات الأقل استقراراً أكثر عرضة لتقلبات التدفقات.

وبينما تترقب الأسواق ما إذا كانت التهدئة ستترجم إلى استقرار فعلي طويل الأمد، تبدو صناديق الأسهم العالمية قد سجلت بالفعل أول رد فعل قوي على مشهد سياسي جديد. والرسالة الأوضح من هذه البيانات أن الثقة، في الأسواق، تتحرك بسرعة عندما تتراجع كلفة عدم اليقين، حتى لو بقيت المخاطر قائمة على المدى المتوسط.