تعثر في استئجار الناقلات
واجهت شركات نفط حكومية في الصين والهند صعوبة في الحصول على ناقلات نفط عملاقة مخصصة لنقل الخام العراقي خلال أواخر يونيو، في وقت ارتفعت فيه تكلفة الشحن بصورة حادة وأصبحت شروط الإبحار عبر الممرات الحيوية أكثر تعقيداً من المعتاد.
وأفادت مصادر في قطاع الطاقة والشحن بأن شركات مثل «بتروتشاينا» و«إنديان أويل كورب» لم تتمكن من تثبيت عقود ناقلات مناسبة لنقل شحنات من ميناء البصرة، بينما لا تزال «سينوكيم» تبحث عن سفينة مناسبة لتنفيذ شحنة من الخليج إلى آسيا.
وتعكس هذه التطورات استمرار الضغوط على سلاسل إمداد النفط في المنطقة، رغم التهدئة المؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران، لأن السوق لم يتلقَّ بعد إشارات كافية على عودة كاملة إلى أوضاع التشغيل الطبيعية.
تكلفة الشحن تقفز إلى مستويات غير معتادة
بحسب مصادر في الشحن البحري، طلبت «بتروتشاينا» ناقلة عملاقة لنقل خام عراقي بين 25 و30 يونيو، لكنها تلقت عدة عروض بأسعار مرتفعة تتراوح بين 650 و750 نقطة على المؤشر المرجعي المستخدم عالمياً في احتساب أجور النقل.
وقالت المصادر إن هذه الأسعار تمثل قفزة كبيرة مقارنة بالمستويات التي كانت سائدة قبل اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل في أواخر فبراير، حين كانت تكاليف الاستئجار أقل بكثير. ويشير ذلك إلى أن شركات الشحن باتت تسعّر المخاطر الجيوسياسية والتشغيلية بدرجة أعلى، لا سيما مع استمرار القلق بشأن المضيق الذي يمر عبره جزء مهم من تجارة الطاقة العالمية.
ونقلت المصادر عن مسؤول في «بتروتشاينا» أن المشكلة لا تتعلق بنقص الناقلات وحده، بل بارتفاع الكلفة وغياب الضمانات الكاملة بشأن الخروج الآمن من المضيق، وهو ما يجعل التعاقد أكثر تعقيداً حتى عندما تكون السفن متاحة.
مضيق هرمز يبقى عامل الحسم
يرى عاملون في السوق أن إعادة فتح المضيق لا تعني تلقائياً عودة الاستقرار، لأن الشركات المملوكة للدولة والمشغلة للناقلات ما زالت تطلب شروطاً تأمينية وتشغيلية أكثر صرامة قبل قبول الشحنات العابرة من الخليج.
ووفق أحد مصادر الشحن، فإن استئجار سفينة لن يكون سهلاً في المدى القريب، ليس فقط بسبب السعر، بل أيضاً بسبب الحاجة إلى اتفاقات خاصة تتعلق ببنود عبور المضيق ومسؤوليات الأطراف في حال وقوع أي اضطراب جديد. وهذه الاعتبارات ترفع تكلفة كل صفقة وتجعل هامش الحركة أضيق بالنسبة للمشترين الآسيويين.
ويعني ذلك أن أسواق النفط الخام لا تتفاعل فقط مع أسعار البرميل، بل مع كلفة نقله وتأمينه أيضاً، وهو عامل أصبح أكثر تأثيراً في قرارات التكرير والتوريد لدى الشركات الكبرى في آسيا.
الصين والهند تبحثان عن بدائل تشغيلية
في الصين، طلبت «سينوكيم» ناقلة عملاقة لتحميل الخام بين 20 و30 يونيو إلى وجهات آسيوية، لكن لم يتضح ما إذا كانت الشركة ستتمكن من إتمام التعاقد في الوقت المناسب. أما في الهند، فلم تتلقَّ شركة النفط الهندية أي عروض في مناقصة سابقة للحصول على ناقلة مخصصة لشحنة من العراق إلى ميناء باراديب على الساحل الشرقي.
وبعد هذا الفشل في التعاقد، أعلنت الشركة الهندية لاحقاً حالة قوة قاهرة مرتبطة بالشحنة، وهو ما يشير إلى أن تعثر النقل لم يعد مجرد تأخير لوجستي، بل تحول إلى عنصر مؤثر في الالتزامات التجارية بين الموردين والمشترين.
وتُعد شركة النفط الهندية أكبر شركة تكرير في البلاد، ما يجعل أي خلل في تأمين الإمدادات من العراق مسألة ذات انعكاس مباشر على أمن التكرير، خصوصاً عندما تتزامن مع ضيق في المعروض أو ارتفاع في أجور النقل البحري.
انعكاسات أوسع على تجارة النفط الآسيوية
تكشف هذه التطورات عن هشاشة إضافية في تجارة الطاقة بين الشرق الأوسط وآسيا، حيث يعتمد كبار المستوردين على خطوط إمداد بحرية طويلة تتأثر سريعاً بالتوترات السياسية وبتكلفة التأمين والمرور في الممرات الاستراتيجية.
وعندما ترتفع أجور الناقلات العملاقة إلى مستويات استثنائية، تصبح بعض الشحنات أقل جدوى اقتصادياً، حتى لو كان الخام نفسه متاحاً في السوق. كما أن تأخر التعاقد على السفن قد يربك جداول المصافي ويجبر الشركات على البحث عن خامات بديلة أو تعديل خطط الشراء.
وفي ظل هذه الظروف، يصبح النقل البحري جزءاً أساسياً من معادلة الطاقة، لا مجرد مرحلة لاحقة بعد الاتفاق على السعر. فكل نقطة إضافية في أجور الشحن قد تؤثر في هوامش الربح، وفي قرارات الاستيراد، وفي قدرة الشركات على الوفاء بعقود التوريد في الوقت المحدد.
وتوضح حالة الشركات الصينية والهندية أن تراجع المخاطر الجيوسياسية لا ينعكس فوراً على السوق، لأن البنية التشغيلية للتجارة النفطية تحتاج وقتاً أطول لتتأقلم. وحتى مع هدوء نسبي في الأوضاع، يظل المستثمرون والمشغلون حذرين في التعامل مع أي شحنة تمر عبر الخليج أو مضيق هرمز.
ومع بقاء أسعار الشحن مرتفعة، واستمرار التشكيك في استدامة التهدئة، يبدو أن أسواق النفط ستظل عرضة لتقلبات تتجاوز أسعار الخام نفسها، لتشمل كلفة الوصول إلى السوق ودرجة المخاطرة المصاحبة لكل رحلة بحرية.