زيادة رأسمال لتعزيز التوسع
أقر بنك «دي360» السعودي، وهو أحد أبرز الكيانات المصرفية الرقمية الناشئة في المملكة، زيادة في رأسماله بنسبة 38.89 في المائة، ليرتفع من 2.1 مليار ريال إلى نحو 2.92 مليار ريال، أي ما يعادل قرابة 778 مليون دولار. ويأتي القرار في إطار خطة أوسع لتوفير تمويل إضافي يدعم التوسع التشغيلي والنمو في الخدمات المصرفية الرقمية.
وتعتمد الزيادة على طرح أسهم جديدة بإجمالي متحصلات اكتتاب تقارب 1.5 مليار ريال، أي نحو 400 مليون دولار، على أن تُستخدم هذه الحصيلة بالكامل في دعم خطط النمو. ويعكس سعر الطرح تقييماً للبنك قبل الزيادة يبلغ 4.5 مليار ريال، بما يشير إلى استمرار الثقة في قدرة البنك على توسيع قاعدة عملائه وتعزيز حضوره في القطاع المالي السعودي.
ويمثل هذا التطور محطة مهمة في مسار بنك رقمي تأسس على فكرة الاستفادة من التكنولوجيا لتقديم خدمات مصرفية أسرع وأكثر مرونة، في سوق تشهد تنافساً متزايداً بين البنوك التقليدية والرقمية على اجتذاب الأفراد والمنشآت الصغيرة والمتوسطة.
دور «دراية المالية» واستثمار مباشر جديد
أعلنت «دراية المالية» السعودية، التي تمتلك حصة استراتيجية في البنك، أنها ستشارك في زيادة رأس المال عبر استثمار مباشر بقيمة 100 مليون ريال، أي ما يعادل نحو 26.67 مليون دولار. وكانت «دراية» تملك 20.4 في المائة من البنك حتى نهاية مارس 2026، ما يبرز استمرار التزامها طويل الأجل تجاه هذا الأصل الرقمي.
وبعد استكمال العملية، من المتوقع أن تتراجع حصة «دراية» إلى 16.35 في المائة، مع تقدير قيمة ملكيتها بنحو 980 مليون ريال وفق التقييم الجديد الذي يصل إلى 6 مليارات ريال للبنك بعد الزيادة. ويعكس ذلك انتقال البنك إلى مرحلة أعلى من الرسملة، بما يمنحه مساحة أكبر لتمويل التوسع وتعزيز الابتكار.
وأوضحت «دراية» أن هذا الاستثمار سيُسجل محاسبياً وفق طريقة حقوق الملكية، وهو ما يعني عدم إثبات أي أرباح غير محققة ناتجة عن إعادة التقييم في القوائم المالية الموحدة. كما أكدت أن التمويل سيتم من الموارد الذاتية للشركة، من دون المساس بسياسة توزيع الأرباح المعتمدة لديها.
برنامج لملكية الموظفين وإعادة توزيع الحصص
إلى جانب زيادة رأس المال، سيصدر بنك «دي360» بعد الحصول على الموافقات التنظيمية 8.75 مليون سهم عادي إضافي لتخصيصها لبرنامج تملك الموظفين. وسيُموَّل هذا الجزء بقيمة 87.5 مليون ريال من حصيلة الطرح، في خطوة تستهدف ربط الحوافز بالأداء وتعزيز استبقاء الكفاءات داخل المؤسسة.
كما خصصت «دراية» ما يصل إلى 2.26 في المائة من حصتها المتوقعة في البنك لصالح الموظفين المستحقين الذين أسهموا في التأسيس، وفق ما ورد في نشرة الإصدار السابقة. ويعني ذلك أن نقل هذه الأسهم مستقبلاً سيؤدي إلى تراجع إضافي في نسبة ملكية «دراية» بما يتناسب مع الأسهم المنقولة.
ويُنظر إلى مثل هذه البرامج على أنها أداة مهمة في الشركات المالية والتقنية الناشئة، لأنها تربط الموظفين بمسار النمو الطويل الأجل وتخلق حافزاً عملياً للمشاركة في بناء القيمة، خصوصاً في المؤسسات التي تعتمد على المعرفة والابتكار وتحتاج إلى الاحتفاظ بالكفاءات المتخصصة.
نمو سريع منذ بدء التشغيل
جاءت الزيادة الرأسمالية بعد فترة قصيرة نسبياً من بدء بنك «دي360» عملياته التشغيلية في ديسمبر 2024، إذ تمكن خلال وقت قياسي من استقطاب 3 ملايين عميل. كما تجاوزت محفظة ودائعه 3 مليارات ريال بحلول أبريل 2026، وهو ما يعكس وتيرة نمو لافتة في سوق مصرفية تنافسية.
هذا الأداء السريع يوضح أن الطلب على الخدمات المصرفية الرقمية في السعودية يتقدم بوتيرة واضحة، مدفوعاً بانتشار الاستخدام الرقمي، وتطور بيئة المدفوعات، وتزايد إقبال العملاء على القنوات التي تقلل الإجراءات التقليدية وتوفر تجربة أكثر سلاسة.
ويستفيد البنك من هذه المرحلة لتوسيع نطاق خدماته، مع التركيز على منتجات تمويلية أكثر تنوعاً، وتقديم حلول تستهدف شرائح جديدة من العملاء، إلى جانب تطوير قدراته التقنية بما يواكب التحولات السريعة في القطاع المالي.
أين ستذهب الأموال الجديدة؟
بحسب التوجهات المعلنة، ستُستخدم حصيلة زيادة رأس المال في تمويل مجموعة من الأولويات التشغيلية والمنتجاتية. وفي مقدمة هذه الأولويات:
- التوسع في محفظة التمويل وتطوير حلول جديدة للعملاء.
- زيادة الحضور في سوق تمويل الأفراد.
- دعم تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة.
- تعزيز موقع البنك في مجال الخدمات المصرفية المعتمدة على واجهات البرمجة المفتوحة.
وتكتسب هذه المجالات أهمية خاصة داخل الاقتصاد الرقمي، لأنها تجمع بين الخدمات المالية والأنظمة التقنية القابلة للتكامل مع تطبيقات وشركات أخرى. كما أنها تفتح المجال أمام نماذج أعمال أكثر مرونة في الإقراض والتحقق من البيانات وإدارة الحسابات والخدمات المساندة.
أهمية التحول نحو الخدمات المصرفية المفتوحة
يرى البنك أن من أبرز فرصه المستقبلية قيادة قطاع المصرفية القائمة على واجهات البرمجة المفتوحة في المملكة. ويعني ذلك توفير بنية تسمح بتبادل البيانات والخدمات بشكل آمن ومنظم بين المؤسسات المالية والجهات التقنية، بما يوسع نطاق الابتكار ويعزز سرعة تطوير المنتجات.
هذا التوجه ينسجم مع التحولات الأوسع في السوق السعودية، حيث تتجه المؤسسات المالية إلى بناء منصات رقمية قابلة للتوسع، وتقديم خدمات أكثر تخصيصاً، والاستفادة من البيانات لتحسين تجربة المستخدم ورفع كفاءة اتخاذ القرار الائتماني والتشغيلي.
وفي هذا السياق، لا تبدو زيادة رأس مال «دي360» مجرد عملية مالية تقليدية، بل خطوة استراتيجية تهدف إلى تمكين نموذج مصرفي قائم على التكنولوجيا، وتوسيع قدرته على المنافسة في سوق تتجه بسرعة نحو الرقمنة والاندماج بين الخدمات المالية والتقنية.
انعكاسات على المشهد المالي السعودي
تأتي هذه العملية في وقت يشهد فيه القطاع المالي السعودي تطوراً ملحوظاً في البنية الرقمية وفي حجم الاستثمارات الموجهة إلى الحلول المالية الحديثة. ومع اتساع قاعدة المستخدمين الرقميين، أصبحت المصارف الجديدة مطالبة ببناء نماذج تشغيل فعالة وقابلة للتوسع، مع الحفاظ على متطلبات الامتثال والحوكمة.
كما أن التركيز على تمويل الأفراد والمنشآت الصغيرة والمتوسطة يعكس توجهاً عملياً نحو القطاعات التي تُعد محركاً رئيسياً للنشاط الاقتصادي. فهذه الشرائح تمثل فرصة كبيرة للنمو، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى أدوات تمويل أسرع وأكثر مرونة من القنوات التقليدية.
وبينما يواصل «دي360» بناء موضعه داخل السوق، فإن الزيادة الرأسمالية الجديدة تمنحه قاعدة أقوى لمرحلة التشغيل التالية، وتوفر له موارد إضافية لتنفيذ خططه الطموحة في بيئة مصرفية رقمية تتسم بالمنافسة العالية والتغير السريع.