16-Jul-2026 5 دقائق قراءة

منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تدعو بريطانيا إلى ضبط المالية العامة ومواجهة كلفة الطاقة لدعم النمو

دعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بريطانيا إلى الحفاظ على الانضباط المالي، وإعادة النظر في ضغوط الإنفاق على المعاشات، وزيادة الاستثمار في الطاقة والكهرباء، في محاولة لتعزيز النمو وسط بيئة عالمية مضطربة وأسعار طاقة متقلبة.

دعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بريطانيا إلى التمسك بالانضباط المالي، والحد من الضغوط المتزايدة على الموازنة، والتعامل مع ارتفاع أسعار الطاقة بوصفه أحد العوامل الرئيسية التي تكبح النمو الاقتصادي. وجاءت هذه الرسالة في وقت لا يزال فيه الاقتصاد البريطاني يعاني ضعفاً في النشاط، رغم تجاوزه عدداً من الصدمات الكبيرة في السنوات الأخيرة.

وترى المنظمة أن استقرار الاقتصاد البريطاني لا يعني زوال التحديات، بل انتقالها إلى مستوى أكثر تعقيداً، إذ يجتمع تباطؤ الإنتاجية مع ارتفاع كلفة الاقتراض، واتساع متطلبات الإنفاق الاجتماعي، وتفاوت الأداء بين المناطق. كما أن التقلبات الجيوسياسية، ولا سيما في الشرق الأوسط، تفرض ضغطاً إضافياً على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، بما ينعكس مباشرة على ثقة الشركات والأسر.

وتشير التقديرات الواردة في التقرير إلى أن الاقتصاد البريطاني مرشح للنمو بنسبة 0.9 في المائة هذا العام، ثم 1.1 في المائة في عام 2027. وهذه الأرقام تعكس تحسناً محدوداً، لكنها تبقى دون الطموحات التي تحتاجها الحكومة إذا كانت ترغب في رفع مستويات المعيشة وتقليص فجوات الأداء مقارنة بالاقتصادات الكبرى الأخرى.

ضغوط مالية تحد من الهامش المتاح للحكومة

تقول المنظمة إن بريطانيا بحاجة إلى الإبقاء على قواعد مالية واضحة ومتماسكة، لأن الدين العام المرتفع وزيادة مدفوعات الفائدة يستهلكان جزءاً متنامياً من الموارد المتاحة. ويأتي ذلك في وقت تتوسع فيه التزامات الإنفاق، خصوصاً في مجالي الصحة والرعاية الاجتماعية، ما يقلص المساحة التي يمكن للحكومة استخدامها لتمويل سياسات محفزة للنمو.

وبحسب التقرير، فإن أي توسع في الإنفاق ينبغي أن يوجَّه إلى الاستثمارات القادرة على رفع الإنتاجية على المدى الطويل، بدلاً من توسيع المصروفات الجارية فقط. ويشمل ذلك تحسين البنية التحتية الاقتصادية، وتطوير المهارات، ودعم التحول الصناعي، وتخفيف الاختناقات التي تحد من قدرة الشركات على التوسع والتصدير.

كما شددت المنظمة على أن إصلاح النظام الضريبي، بما يعزز كفاءته ويحد من التشوهات، يمكن أن يساعد الحكومة على إعادة بناء هامش المناورة المالية. فالمعضلة، من وجهة نظرها، ليست في حجم الإيرادات وحدها، بل في كيفية جمعها وتوظيفها بما يدعم النشاط الاقتصادي من دون الإضرار بالاستقرار المالي.

الطاقة والكهرباء في قلب معادلة النمو

يركز التقرير على أن ارتفاع أسعار الطاقة وتقلبها يمثلان عبئاً مستمراً على الاقتصاد البريطاني، سواء عبر الضغط على تكاليف الشركات أو من خلال الأثر المباشر على إنفاق الأسر. وفي هذا السياق، ترى المنظمة أن أحد المسارات الأكثر أهمية يتمثل في زيادة الاستثمار في كهربة الاقتصاد، بما يخفف الاعتماد على واردات الغاز ويعزز القدرة على مواجهة الصدمات السعرية.

وتؤكد المنظمة أن الاعتماد الكبير على مصادر طاقة معرضة للتقلبات الخارجية يجعل الاقتصاد أقل مرونة في مواجهة الأزمات. لذلك، فإن الاستثمار في البنية الكهربائية، وتحسين كفاءة الشبكات، وتسريع الانتقال نحو حلول أكثر استدامة، يمكن أن يخفف من التعرض للمخاطر المرتبطة بالتوترات الإقليمية وأسواق الطاقة العالمية.

وفي ظل استمرار الحرب في الشرق الأوسط، ترى المنظمة أن المخاطر تميل إلى الجانب السلبي، خاصة إذا أدى ذلك إلى ارتفاع جديد في أسعار الطاقة أو إلى مزيد من التشرذم في التجارة العالمية. وهذا يعني أن أي تحسن في الأداء الاقتصادي البريطاني سيظل هشاً ما لم تُبنَ قاعدة طاقية أكثر استقراراً وتنوعاً.

الإنتاجية والفوارق الإقليمية أكبر من مجرد أرقام

لا يقتصر التحدي البريطاني على كلفة الطاقة أو القيود المالية، بل يمتد إلى مشكلة الإنتاجية الضعيفة، وهي قضية مزمنة في الاقتصاد البريطاني. وتشير المنظمة إلى أن تحسين إنتاجية العمل ورأس المال سيبقى شرطاً أساسياً لرفع النمو المحتمل، لأن الاعتماد على الطلب قصير الأجل وحده لا يكفي لتحقيق تحسن مستدام في مستويات الدخل.

كذلك لفت التقرير إلى الفوارق الإقليمية الكبيرة، التي ما زالت تؤثر في أداء الاقتصاد على مستوى البلاد ككل. فالمناطق الأقل حظاً تعاني ضعفاً في الاستثمار والبنية التحتية والفرص، ما يحد من قدرتها على المشاركة الكاملة في النشاط الاقتصادي. وترى المنظمة أن تضييق هذه الفجوات يمكن أن يفتح المجال أمام نمو أكثر توازناً وشمولاً.

وفي هذا الإطار، تبدو الدعوة إلى تعزيز صلاحيات السلطات المحلية منسجمة مع فكرة توزيع الفرص الاقتصادية بصورة أفضل. فتمكين المناطق من اتخاذ قرارات أقرب إلى احتياجاتها قد يساعد على تحرير قدراتها الإنتاجية، خاصة إذا ترافقت تلك الصلاحيات مع تمويل موجّه ومعايير واضحة للمتابعة والمساءلة.

المعاشات التقاعدية والادخار ضمن النقاش المالي

تتناول توصيات المنظمة أيضاً ملف المعاشات التقاعدية، إذ تدعو إلى مراجعة بعض الآليات التي تزيد عبء الإنفاق المستقبلي على المالية العامة. وترى أن استمرار ارتفاع مدفوعات التقاعد من دون إصلاحات مناسبة قد يحد من قدرة الدولة على توجيه الموارد نحو أولويات أكثر إنتاجية.

كما تحث على تعزيز الحوافز المرتبطة بالعمل والادخار في أنظمة التقاعد الخاصة، بما يساعد على دعم استدامة هذه الأنظمة وتقليل الضغوط المتراكمة على الموازنة العامة. وفي بيئة تتسم بزيادة العمر المتوقع وارتفاع الكلفة الصحية والاجتماعية، تصبح هذه القضايا أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

وتتداخل هذه العوامل كلها لتشكّل صورة واحدة: الاقتصاد البريطاني لا يواجه أزمة واحدة، بل مجموعة من الاختلالات المتصلة ببعضها، من سوق الطاقة إلى سوق العمل، ومن الموازنة العامة إلى فجوات المناطق. ولهذا فإن المنظمة تدعو إلى مقاربة متدرجة تجمع بين الانضباط المالي، والاستثمار المنتج، والإصلاح المؤسسي.

توقعات النمو تبقى رهينة البيئة العالمية

رغم أن التقديرات الحالية لا تشير إلى انكماش، فإنها لا تعكس زخماً قوياً يكفي لإطلاق مرحلة توسع واضحة. فالمؤشرات الأساسية ما زالت تدل على أن الطلب الداخلي ضعيف، وأن النمو يتأثر بعوامل خارجية لا تملك بريطانيا السيطرة عليها بالكامل، خصوصاً في ما يتعلق بالطاقة والتجارة العالمية.

ومن هنا تأتي أهمية الرسالة التي يحملها التقرير: لا يمكن الاعتماد على تحسن محدود في الأسواق أو على هدوء مؤقت في الأسعار لتصحيح المسار الاقتصادي. المطلوب، وفقاً للمنظمة، هو مزيج من ضبط المالية العامة، واستثمارات تدفع الإنتاجية، وخيارات طاقة تقلل الهشاشة أمام الأزمات الدولية.

في المحصلة، ترى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن بريطانيا ما زالت تمتلك القدرة على تحسين مسارها الاقتصادي، لكن ذلك يتطلب قرارات أصعب وأكثر توازناً. فالنمو في المرحلة المقبلة لن يتحقق فقط عبر التحفيز، بل عبر إدارة أكثر صرامة للموارد، واستجابة أسرع لتحولات سوق الطاقة، واستثمار أوعى في القطاعات التي ترفع الكفاءة الاقتصادية على المدى الطويل.