04-Oct-2026 5 دقائق قراءة

برنت يقترب من 96 دولاراً مع عودة مخاوف مضيق هرمز إلى الأسواق العالمية

قفزت أسعار النفط مع تجدد الهجمات بين الولايات المتحدة وإيران وعودة الحديث عن مخاطر الإمدادات عبر مضيق هرمز، بينما امتدت الضغوط إلى أسواق السندات العالمية مع تصاعد القلق من التضخم وتكاليف الاقتراض.

عاد النفط إلى صدارة المشهد المالي العالمي بعد قفزة جديدة في الأسعار دفعت خام برنت إلى الاقتراب من 96 دولاراً للبرميل، في ظل تصاعد المخاوف من اضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز وتنامي احتمالات اتساع رقعة المواجهة في الشرق الأوسط. ولم تقتصر آثار هذا الارتفاع على أسواق الطاقة، بل امتدت سريعاً إلى السندات والأسهم والعملات، حيث بدأت الأسواق تعيد تسعير مخاطر التضخم والفائدة والديون الحكومية في وقت واحد.

التحرك الأخير في أسعار الخام جاء مدفوعاً بتبادل ضربات جديد بين الولايات المتحدة وإيران خلال الليل، ما أضعف الرهانات على تهدئة قريبة. ومع كل تطور إضافي، يتزايد تركيز المتعاملين على الممر البحري الأكثر حساسية في تجارة الطاقة العالمية، وهو مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والوقود المنقولة بحراً.

النفط يوسع مكاسبه مع تصاعد التوتر

ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت في التعاملات المبكرة، بينما سجل خام غرب تكساس الوسيط مكاسب أقل نسبياً. وجاءت هذه الحركة بعد جلسة سابقة شهدت قفزة قوية في الأسعار تجاوزت أربعة دولارات للبرميل، في واحدة من أكبر الارتفاعات اليومية خلال الأسابيع الأخيرة. ويرى متعاملون أن السوق دخلت مرحلة جديدة من الحساسية تجاه أي خبر يتعلق بالتصعيد العسكري أو الملاحة البحرية في الخليج.

بحسب تقديرات المتعاملين، فإن المخاوف لم تعد محصورة في احتمال اتساع القتال، بل تشمل أيضاً إمكانية تعطّل الشحنات أو تأخرها أو ارتفاع تكلفة التأمين والنقل. وهذه العوامل مجتمعة تجعل أي زيادة في الأسعار أكثر استدامة، حتى لو لم يحدث انقطاع فعلي وفوري في الإمدادات.

ويشير محللون إلى أن السوق لم تعد تسعّر احتمال الحرب فقط، بل بدأت تحسب أيضاً تكلفة استمرار حالة عدم اليقين. فكل يوم إضافي من التوتر يضيف علاوة مخاطر جديدة إلى الأسعار، ويجعل المستوردين وشركات التكرير أكثر ميلاً إلى بناء مخزونات إضافية أو البحث عن بدائل من الخام.

مضيق هرمز يعود إلى مركز القلق

الحديث عن مضيق هرمز عاد بقوة بعدما شددت طهران على أن الضربات الأميركية ستدفعها إلى تقييد الملاحة في هذا الممر الاستراتيجي. وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأن المضيق كان، قبل اندلاع الصراع، قناة عبور رئيسية لكمية ضخمة من النفط المستهلك عالمياً. وأي تهديد لحركة الشحن فيه ينعكس فوراً على الأسعار العالمية وعلى عقود التأمين والشحن البحري.

ورغم أن تدفقات النفط عبر المضيق لم تتوقف بالكامل خلال فترات سابقة من التوتر، فإن تكرار الهجمات على ناقلات النفط واستهداف قواعد أو مواقع مرتبطة بالقوى المتصارعة يرفع مستوى المخاطرة بدرجة ملحوظة. وهذا ما يدفع بعض المشترين إلى طلب شحنات بديلة أو تعديل مسارات التوريد، ولو على حساب ارتفاع التكلفة.

ويحذر مختصون في أسواق الطاقة من أن أي اختلال في هذا الممر لا ينعكس على الأسعار الآنية فقط، بل يؤثر أيضاً في العقود الآجلة، وفي قرارات الاستثمار المرتبطة بالإنتاج والتكرير والنقل البحري. ولهذا السبب يعود مضيق هرمز إلى الواجهة كلما تصاعد التوتر في المنطقة.

مخاوف التضخم تنتقل إلى أسواق السندات

الصدمة النفطية الجديدة لم تتوقف عند أسواق الطاقة. فمع صعود الخام، شهدت أسواق السندات العالمية موجة بيع واسعة رفعت العوائد إلى مستويات غير مألوفة في بعض الاقتصادات الكبرى. وتحوّل هذا الارتفاع إلى مؤشر مباشر على قلق المستثمرين من احتمال عودة التضخم بفعل الطاقة، بالتزامن مع استمرار الضغوط المرتبطة بحجم الديون الحكومية.

وارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات إلى مستويات تقترب من أعلى نطاقات السنوات الأخيرة، في حين قفزت عوائد السندات اليابانية إلى مستوى لم تسجله منذ عقود. كما شهدت السندات الأسترالية والبريطانية ضغوطاً مماثلة، ما يعكس اتجاهاً عالمياً لا يقتصر على سوق واحدة أو منطقة بعينها.

ويقول مستثمرون إن ارتفاع عوائد السندات يعني عملياً زيادة كلفة الاقتراض للحكومات والشركات والأسر. كما أنه يضغط على تقييمات الأصول المالية، خصوصاً الأسهم عالية النمو التي تعتمد قيمتها على الأرباح المستقبلية أكثر من الأرباح الحالية. ومع صعود العوائد، تصبح هذه التدفقات المستقبلية أقل جاذبية من وجهة نظر المستثمرين.

الذكاء الاصطناعي والديون يضيفان ضغطاً جديداً

إلى جانب النفط والتضخم، تبرز عوامل أخرى تسهم في تشديد الأوضاع داخل أسواق الدخل الثابت. فشركات التكنولوجيا الكبرى كثفت في الفترة الأخيرة الاقتراض لتمويل استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي زاد المعروض من السندات في الأسواق ورفع التنافس على السيولة المتاحة لدى المستثمرين.

هذا التوسع في الإصدارات لم يعد مجرد مسألة تمويل شركات، بل تحول إلى عنصر مؤثر في تسعير العائد نفسه. فعندما ترتفع احتياجات الاقتراض من الحكومات والشركات الكبرى في وقت واحد، يطالب المستثمرون بعوائد أعلى لتعويضهم عن المخاطر التضخمية والمالية، وكذلك عن ضخامة حجم الإصدارات المطروحة.

ويطرح هذا الوضع سؤالاً أكبر حول قدرة الاستثمارات الهائلة في الذكاء الاصطناعي على تحقيق إنتاجية ونمو كافيين لتبرير كلفتها التمويلية المرتفعة. وإذا لم تترجم هذه الطفرة التقنية إلى نمو اقتصادي أوسع، فقد تبقى آثارها على أسواق السندات مائلة إلى رفع العوائد لا خفضها.

البنوك المركزية أمام معادلة أصعب

تشكل أسعار النفط المرتفعة تحدياً إضافياً أمام البنوك المركزية التي كانت تأمل في تخفيف السياسة النقدية تدريجياً. فالمعادلة تصبح أكثر تعقيداً عندما ترتفع الطاقة في وقت لا يزال فيه التضخم بعيداً عن المستويات المستهدفة. وفي هذه الحالة، قد تضطر البنوك إلى الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول، أو حتى التفكير في تشديد إضافي إذا تسارعت الأسعار أكثر.

في الولايات المتحدة، تزيد البيانات المتشددة والتصريحات الرسمية من رهانات السوق على بقاء الفائدة مرتفعة. كما يراقب المستثمرون باهتمام شديد أي إشارة من مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى أن صدمة النفط قد تؤخر أي دورة تيسير نقدي. والنتيجة المباشرة لذلك هي استمرار الضغط على الذهب والسندات ذات الأجل الطويل، وارتفاع كلفة التمويل على الاقتصاد الحقيقي.

وتنعكس هذه الضغوط على الرهن العقاري والقروض الاستهلاكية وتمويل الشركات، ما قد يبطئ النشاط الاقتصادي في الأشهر المقبلة إذا استمرت أسعار الطاقة عند مستوياتها الحالية أو واصلت الصعود. ولهذا ينظر المتعاملون إلى النفط بوصفه عامل خطر مزدوج: يرفع الأسعار من جهة، ويقيد السياسة النقدية من جهة أخرى.

انعكاسات أوسع على الاقتصاد العالمي

الصورة الحالية تتجاوز مجرد تقلبات يومية في أسعار الخام. فالسوق تواجه تداخلاً بين صدمة جيوسياسية، ومخاوف تضخمية، وضغط مالي ناتج عن ارتفاع الدين العام وتوسع التمويل في القطاعات التقنية. هذا التداخل يضع الاقتصاد العالمي أمام مرحلة أكثر هشاشة، لأن أي اختناق إضافي في الإمدادات أو أي ارتفاع جديد في العوائد قد يترجم سريعاً إلى تباطؤ في الاستثمار والاستهلاك.

كما أن تحولات سوق السندات تعني أن الحكومات ستدفع أكثر لخدمة ديونها، بينما ستواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة شروط تمويل أشد صعوبة. وإذا استمر هذا المسار، فقد تصبح تكلفة رأس المال هي القيد الأكبر على النمو خلال الفترة المقبلة، لا ضعف الطلب وحده.

في المحصلة، عاد مضيق هرمز إلى قلب معادلة النفط العالمية، لكن تأثيره يتجاوز الطاقة إلى المالية العامة وأسواق الدين والسياسة النقدية. وبينما تنتظر الأسواق أي إشارة إلى تهدئة حقيقية، يبقى السيناريو الأقرب هو استمرار التقلبات وارتفاع علاوة المخاطر على الأصول كافة.