يتجه الجدل في الولايات المتحدة حول الذكاء الاصطناعي من سؤال التنظيم والرقابة إلى سؤال أعمق يتعلق بملكية هذه الصناعة الحيوية: هل ينبغي للحكومة أن تمتلك حصصاً في الشركات التي تقود الموجة المقبلة من الأتمتة؟
فمع تسارع اهتمام المستثمرين بالاكتتابات المحتملة لشركات الذكاء الاصطناعي الرائدة، مثل OpenAI وAnthropic، تتنامى في الوقت نفسه المخاوف من الآثار الاقتصادية والاجتماعية الواسعة التي قد تفرضها هذه التقنيات على سوق العمل، سواء في الوظائف المكتبية أو المهن التي تعتمد على العمل اليدوي.
من التنظيم إلى فكرة الشراكة مع الدولة
هذا النقاش لم يعد مقتصراً على الأصوات اليسارية التي طالبت سابقاً بتوسيع دور الدولة في الصناعات الاستراتيجية. فقد طرح السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز مقترحاً يدعو إلى أن تحصل الحكومة على حصة تصل إلى 50% في الشركات الكبرى العاملة في الذكاء الاصطناعي، على أن تُوضع هذه الحصص ضمن صندوق سيادي يهدف إلى توجيه العوائد لمصلحة الجمهور.
ويقوم التصور على أن جزءاً من الأرباح الهائلة المتوقعة من هذه الصناعة ينبغي ألا يذهب فقط إلى المساهمين والقيادات التنفيذية، بل أن يعود أيضاً إلى العمال والمجتمع الذي ساهمت بياناته ومعارفه في بناء هذه النماذج.
الفكرة كانت ستبدو قبل سنوات قليلة أقرب إلى الطرح النظري أو إلى اختبار ردود الفعل السياسية، لكن ارتفاع قلق الحكومات من التحولات السريعة في سوق العمل، وتزايد الحساسية تجاه الأمن القومي والسيطرة على التقنيات الاستراتيجية، جعلاها أكثر حضوراً في النقاش العام.
الإدارة الأمريكية تلمّح إلى اهتمام مماثل
المفاجأة أن بعض الإشارات الصادرة عن الإدارة الأمريكية الحالية بدت أقرب إلى تقاطع غير متوقع مع هذا الطرح. فقد أشارت تقارير صحفية إلى أن مسؤولين أمريكيين أجروا محادثات أولية مع شركات كبرى في مجال الذكاء الاصطناعي بشأن احتمال أن تدخل الحكومة كمساهم في بعض هذه الشركات، على أساس طوعي أو عبر ترتيبات استثمارية مباشرة.
كما نُقل عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه وصف الفكرة بأنها قد تتحول إلى نوع من الشراكة مع الجمهور الأمريكي، مضيفاً أن الإدارة ستدرس الأمر. وذكر أيضاً أنه يفكر منذ أكثر من عام في الاستثمار الحكومي داخل شركات الذكاء الاصطناعي.
هذا التقارب في المواقف بين تيارين سياسيين متباعدين يعكس حجم التحول الذي أصاب النظرة إلى التكنولوجيا المتقدمة: لم تعد مجرد قطاع نمو عالي المخاطر، بل أصبحت جزءاً من البنية الاقتصادية والأمنية التي قد ترى الحكومة ضرورة التواجد داخلها لا من خارجها فقط.
تجربة الشركات الاستراتيجية تعزز الفكرة
الحديث عن تدخل الدولة في الملكية لم يعد افتراضياً بالكامل. فقد حصلت الحكومة الأمريكية بالفعل على حصص في عدد من الشركات المرتبطة بسلاسل التوريد الحساسة، من بينها شركة Intel لصناعة الرقائق، إلى جانب شركات في قطاع المعادن النادرة وشركات تعمل في الحوسبة الكمية.
وتشير هذه الخطوات إلى أن الدولة باتت تنظر إلى بعض القطاعات التقنية على أنها أصول استراتيجية لا تقل أهمية عن المرافق العامة أو البنية التحتية الحيوية. ومن هنا يبرز السؤال: إذا كانت الرقائق، والمعادن النادرة، والحوسبة الكمية تستحق أشكالاً من الحماية أو الملكية الجزئية، فلماذا لا يشمل المنطق نفسه شركات الذكاء الاصطناعي التي قد تحدد ملامح الإنتاج والخدمات في السنوات المقبلة؟
في هذا السياق، يطرح مؤيدو الفكرة تشبيهاً أقرب إلى تحويل شركات الذكاء الاصطناعي إلى ما يشبه المرافق العامة أو utilities، بحيث لا تُعامل فقط كأدوات ربحية، بل كأصول تؤثر في المصلحة العامة وتستدعي نوعاً من الشراكة المجتمعية.
مكاسب محتملة ومخاطر سياسية ومالية
الرؤية المؤيدة لامتلاك الحكومة حصصاً في شركات الذكاء الاصطناعي تقوم على عدة افتراضات. أولها أن الدولة، إذا كانت ستواجه تداعيات الأتمتة وتراجع الوظائف، فمن المنطقي أن تشارك أيضاً في العوائد الكبيرة الناتجة عن هذه الطفرة. وثانيها أن الملكية الحكومية قد تمنح المجتمع صوتاً في كيفية تطوير التكنولوجيا واستخدامها.
لكن هناك في المقابل مخاطر واضحة. فدخول الدولة كمساهم قد يربك المستثمرين الخاصين، ويثير مخاوف من تسييس قرارات الشركات، ويخلق أسئلة معقدة حول كيفية ممارسة الحكومة لنفوذها: هل ستكون مجرد مساهم أقلية؟ أم ستستخدم حصصها لتوسيع السيطرة تدريجياً؟ وهل يمكن أن تتحول هذه الخطوة إلى عبء على دافعي الضرائب إذا لم تحقق الاستثمارات النتائج المرجوة؟
وفي المقابل، يرى بعض المدافعين عن الفكرة أن وجود حصة حكومية قد يرسل إشارة قوية بأن هذه الشركات أصبحت «أكبر من أن تُترك وحدها»، وأن نجاحها لم يعد شأناً خاصاً بقدر ما هو جزء من البنية الاقتصادية الوطنية.
الذكاء الاصطناعي كأصل سيادي
تتجاوز هذه المناقشة حدود الولايات المتحدة إلى سؤال عالمي أكبر: هل أصبح الذكاء الاصطناعي مورداً سيادياً شبيهاً بالطاقة أو المعادن الاستراتيجية؟ في عالم يتسم بتوترات تجارية واضطرابات في سلاسل الإمداد ومخاوف أمنية متزايدة، يبدو أن الحكومات باتت تميل إلى إعادة تقييم مكانة الصناعات التقنية المتقدمة.
ويذهب بعض الاقتصاديين إلى أن الدول التي لا تضمن لنفسها موقعاً داخل سلسلة قيمة الذكاء الاصطناعي قد تجد نفسها في مواجهة موجات ضخمة من فقدان الوظائف من دون أن تمتلك في المقابل قاعدة ضريبية أو قدرة مؤسسية كافية للتعامل مع التداعيات الاجتماعية والسياسية.
كما أن طرح الملكية العامة الجزئية ينسجم مع موجة أوسع من عودة الدولة إلى بعض القطاعات الحيوية حول العالم، في ما يصفه باحثون بأنه موجة جديدة من التأميم الجزئي أو إعادة التمركز الحكومي في الأصول الاستراتيجية. هذه الموجة تعكس شعوراً عالمياً بأن الأسواق وحدها قد لا تكون كافية لإدارة التحولات الصناعية الكبرى.
سؤال المستقبل: التنظيم أم الملكية؟
المسار التقليدي في التعامل مع الذكاء الاصطناعي كان يقوم على إصدار اللوائح والضوابط ومحاولة ضبط المخاطر من الخارج. أما اليوم، فالنقاش بدأ يتحرك نحو خيار أكثر جرأة: الدخول من داخل هيكل الملكية نفسه.
هذا التحول لا يعني أن الفكرة ستصبح سياسة معتمدة قريباً، لكنه يكشف أن النقاش حول الذكاء الاصطناعي لم يعد تقنياً بحتاً. لقد أصبح ملفاً مالياً واجتماعياً واستراتيجياً في آن واحد، تتداخل فيه أسئلة العائد والاستثمار والوظائف والأمن القومي.
وبينما يستعد المستثمرون لموجة جديدة من الطروحات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، يبدو أن الحكومات تستعد بدورها لمرحلة مختلفة: مرحلة لن تكتفي فيها بتنظيم التقنية، بل قد تسعى إلى امتلاك جزء منها أيضاً.